عادل بنحمزة يكتب : المنطقة العازلة نهاية السير…!

في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2022 ولمناسبة وضعه الحجر الأساس لمقر شركة معادن موريتانيا وجه الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزواني تحذيراً صارماً للمواطنين الموريتانيين من تجاوز حدود بلادهم في الشمال، وهو يعني بذلك المنطقة العازلة في الصحراء المغربية. ومما نقلته وسائل الإعلام أن ولد الغزواني أكد في خطابه أنه يتألم “عند كل حادث مؤسف يتعرض له أحد أبنائنا الأحبة”، مطالباً باحترام القواعد الشرعية “في الحفاظ على الأنفس وعدم تعريضها لأي خطر، وللضوابط القانونية”. وفي المناسبة دعا أيضاً “الجهات المعنية، إدارية وعسكرية وأمنية، الى الصرامة في القيام بواجباتها وفي تنفيذ القرارات التي تصدر من دون تردد ولا محاباة”.

بهذا الخطاب يكون الرئيس الموريتاني قد حسم موقف بلاده من وضعية المنطقة العازلة، ففي الوقت الذي كانت الدعاية الجزائرية تصور التدخلات الأمنية للطائرات المسيّرة المغربية في المنطقة على أنها اعتداء على التجارة والتجار في المنطقة ومنهم موريتانيون، جاء رد ولد الغزواني واضحاً لا يقبل الشك، وبذلك فإن نواكشوط تبدي تفهمها لممارسة المغرب سيادته على أراضيه بقرار سياسي بالغ الأهمية ينهي طابع الغموض الذي كان النظام الجزائري ومن ورائه جبهة “البوليساريو” يحاولان الاستثمار فيه، إذ شرع المغرب وفق تقارير إعلامية في توسيع الجدار الأمني شرقاً في “تويزكي” باتجاه الجزائر، وتحديداً من مواقع “الأبعاج” و”طارف بوهندة” و”كرارة العربي” الموجودة شرق الجدار الأمني في الصحراء المغربية.

لفهم طبيعة المناطق العازلة وأهميتها، يجدر بنا التذكير أن إحداثها يتم بقرار من مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وتعتبر من بين وسائلها لدعم عمليات السلام وإيجاد حلول للنزاعات ذات الطبيعة الحدودية، اذ إن المناطق العازلة تفصل بين جيوش دولتين متنازعتين وعادة ما تكون منطقة خالية من أي مظاهر عسكرية ومن السكان أو ذات كثافة سكانية ضعيفة، وقد طبقت الأمم المتحدة هذا الاختيار في عدد من النزاعات الدولية مثل النزاع بين الكوريتين وبين العراق والكويت وفي قبرص أيضاً.

بخصوص الوضع في الصحراء المغربية، فقد شكل إحداث منطقة عازلة شرق الجدار الأمني للقوات المسلحة الملكية، واحداً من مشمولات اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991، وهي منطقة تشغل نحو 20 في المئة من المساحة الإجمالية للصحراء وتوجد في مجملها بين المغرب وموريتانيا.

منذ سنوات عرفت هذه المنطقة خروقاً من قبل جبهة البوليساريو، سواء في منطقة تيفاريتي أم بئر لحلو أم في منطقة الكركرات والكويرة. الجبهة حاولت على مدى سنوات توظيف حضورها في المنطقة العازلة بشكل دعائي، بل إنها والإعلام الذي يدور في فلكها، تعتبرها “مناطق محررة”، بل بلغ الأمر حد تشييد بعض البنايات واستقدام الوفود الأجنبية لحضور مناسبات يتم تنظيمها في المنطقة، ولعل ما صعّد من التوتر بين المغرب والأمين العام للأمم المتحدة السابق بان كي مون، هو قبول هذا الأخير حضور أحد الأنشطة الدعائية لجبهة البوليساريو في منطقة بئر لحلو، وهو ما وضع كي مون في موقف حرج لأن مهامه كأمين عام للأمم المتحدة، تفرض عليه التقيد بالإطار القانوني للمناطق العازلة، لا أن يساهم في خرقها.

خلال السنوات القليلة الماضية تواترت معلومات وأخبار مؤكدة وموثقة سواء من طرف بعثة الأمم المتحدة للصحراء أم من طرف المغرب عن انتشار مسلحين تابعين لميليشيات “البوليساريو” قرب المعبر الحدودي الكركرات، وهذا ما أكده الأمين العام للأمم المتحدة في تقرير قدمه لمجلس الأمن الدولي خلال أزمة معبر الكركرات، وهو المعبر الحدودي الذي يربط بين المغرب وموريتانيا، وقد تم قبل سنوات نشر صور لقادة من الجبهة مع تجهيزات عسكرية خفيفة على ساحل المحيط الأطلسي. كل هذه المعطيات تؤكد أن جبهة “البوليساريو” كانت تراهن بشكل كبير على الجانب الدعائي في تحركاتها في المنطقة العازلة، لأن مهمة قطع الإمدادات وعزل تلك القوات في منطقة الكركرات كانت دائماً عملية بسيطة من الناحية العسكرية بالنسبة الى القوات المسلحة الملكية وهو ما قامت به فرق الهندسة التابعة لها في ساعات قليلة عندما تقرر ذلك، لكن الأمر إذا كان لا يشكل تحدياً عسكرياً أو أمنياً، فإنه يشكل تحدياً سياسياً وإعلامياً، لذلك واجهه المغرب بحزم وذكاء، بخاصة أن “البوليساريو” ومن ورائها الجزائر هددت أكثر من مرة بفكرة نقل مخيمات تيندوف إلى المنطقة العازلة التي تعتبرها وتقدمها بشكل دعائي للعالم على أنها أراضٍ محررة لكنها لم تستطع تنفيذ ذلك أبداً. من جهة، لأن الجبهة والجزائر تستعملان مخيمات المحتجزين في تيندوف للدعاية وللاتجار بالمساعدات الإنسانية، ومن جهة أخرى لأن المنطقة عملياً ليست سوى منطقة تدخل ضمن السيادة المغربية وقد تركها الجيش المغربي خالية حتى يتمكن من ملاحقة ميليشيات “البوليساريو” من دون الحاجة إلى التوغل في الأراضي الموريتانية أو الجزائرية وذلك وفقاً لاتفاقية وقف إطلاق النار.

والأمر الثالث هو أن النظام الجزائري يرفض أن يتخلى عن سيطرته المباشرة على المخيمات وعلى قيادة “البوليساريو” نفسها لأنه من شأن توسع هامشية استقلاليتها أن يحدث تغييراً في منظورها للنزاع المفتعل ويحررها من وضعية الرهينة التي يتم توظيفها لتصفية الحسابات مع المغرب بدل إيجاد حل حقيقي ودائم، لكن مع ذلك لم يكن مستبعداً أن تكون الجبهة تخطط لتحويل جزء من “المنطقة العازلة” إلى “منطقة آمنة” عبر السعي الى استصدار قرار لمجلس الأمن وذلك بهدف حماية المدنيين ومراقبة حقوق الإنسان وحقهم في التوصل بجزء من ثروات المنطقة، وذلك في انتظار الحل السياسي الذي يبدو أعقد من أي فترة سابقة، بسبب عدمية الموقف الجزائري.

فبعد تعيين المبعوث الشخصي الجديد للأمين العام للأمم المتحدة الخاص بالصحراء المغربية، الدبلوماسي المخضرم ستيفان ديمستورا، عاد النظام الحاكم في الجزائر ليضع العراقيل أمامه حتى قبل أن يبدأ مهامه، فقد طالبت الجزائر بانسحاب الجيش المغربي من منطقة “الكركرات” بوصفها منطقة عازلة بحسب الرواية الجزائرية… وهي المنطقة نفسها التي حولتها ميليشيات “البوليساريو” إلى منطقة للاستعراض والدعاية بعد قطع الطريق الدولي الذي يربط أوروبا بإفريقيا، وهو ما عرض جزءاً من التجارة العالمية لمخاطر حقيقية استدعت تدخلاً تقنياً للقوات المسلحة الملكية المغربية لإعادة الوضع إلى طبيعته من دون تغيير في قواعد الاشتباك، ومن دون مساس باتفاقية التسوية التي تمتد إلى تسعينات القرن الماضي.

هنا تبرز أهمية موقف الرئيس الموريتاني من ممارسة المغرب سيادته الفعلية على المنطقة العازلة أمام محدودية دور قوات الأمم المتحدة، بخاصة أن أزمة الكركرات الأخيرة تسببت بأزمة في ما يتعلق بتموين الأسواق الموريتانية ودول غرب إفريقيا التي تعتمد بشكل كبير على الصادرات المغربية والأوروبية، ذلك أن أي تحرك مسلح لجبهة “البوليساريو” لا يمكن أن يتم في المنطقة العازلة ضد إرادة نواكشوط وهو ما حسمه خطاب ولد الغزواني يوم 27 كانون الأول (ديسمبر) 2022، لذلك نشهد اليوم تقدماً كبيراً في العلاقات المغربية – الموريتانية، وهو ما أضحى يزعج حكام المرادية في الجزائر.

بواسطة
عادل بنحمزة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock