محمد حسين أبو الحسن يكتب : النووي السعودي و العالم الجديد !

بلا مبالغة، تمثل السعودية ودول الخليج مركز الثقل والنفوذ في إدارة السياسات وتحريك الأوضاع بالشرق الأوسط. تجذب الرياض بقيادة ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان أنظار العالم، وهي تعيد صياغة المشهد الإقليمي وربما الدولي بنقلات مثيرة على الرقعة الجيوسياسية، من الاتفاق السعودي – الإيراني برعاية الصين، إلى القرارات الجريئة عبر “أوبك بلاس” مع روسيا، ثم التحرك لامتلاك “قدرات نووية فارقة”، وفقاً لما ذكرته “نيويورك تايمز” أخيراً؛ ما يجعل سياسات السعودية محط اعتناء بالغ، من جانب النخب والعواصم المختلفة، فإلى أي حد تنجح مساعي الرياض؟

  • برنامج نووي

الأسبوع الماضي، ألقت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية الضوء على رغبة السعودية في بناء برنامج نووي لتوليد الطاقة النووية، لا سيما أن إيران باتت على أعتاب القنبلة النووية. تخطط المملكة لبناء 16 مفاعلاً باستثمارات 80 مليار دولار، من أجل التوازن الاستراتيجي وتحصين نفسها نووياً، وهي ترفض بشدة التجاوب مع شروط أميركية ترى واشنطن أنها كفيلة بمنع الرياض من تطوير أسلحة نووية، بينما يراها السعوديون محاولة لحرمانهم من الانتفاع بمواردهم الهائلة من اليورانيوم؛ ويستكشفون الآن خيارات للعمل مع دول أخرى، مثل كوريا الجنوبية وفرنسا أو روسيا والصين.

وفقاً لبعض المحللين، تمارس الرياض ضغوطاً مكثفة على واشنطن في ملفات عدة، في إطار استراتيجية لدفع واشنطن كي تعمل مع السعودية بشروطها الخاصة. يرى ولي العهد أن النظام العالمي البازغ سيكون متعدد الأقطاب، تلعب فيه أميركا دوراً أقل سيطرة، ويكون للسعودية فيه حق استغلال مخزوناتها من اليورانيوم من أجل الطاقة والتصدير؛ ما يضرب عصافير عدة بحجر واحد: مصدر دخل جديد للمملكة يمنحها ثقلاً جيوسياسياً أكبر، وَضعُ أقدامها على الطريق النووي بوصفها قوة إقليمية مركزية ولاعباً دولياً مؤثراً.

وبالرغم من أن الاتفاق بين الرياض وطهران الذي رعته بكين أخيراً، يصب في إطار تبريد الجبهات في الشرق الأوسط، وينتظر أن تتبدى نتائجه في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، فإن الملف النووي سيظل “عقدة مستحكمة” في هذا السياق، ولن يفكها إلا حدوث “التوازن” بين السعودية وإيران. رفعت طهران نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 84%، أي اقتربت من صنع “القنبلة”، ما قد يؤجج سباق تسلح في المنطقة. أكد الرئيس الأميركي جو بايدن، أنه “في حال حازت طهران القنبلة النووية سيكون سباق على التسلح النووي في الشرق الأوسط، وهو آخر شيء نحتاج إليه في هذا الجزء من العالم”.

في عام 2018، أعلن ولي العهد السعودي أنه “إذا طورت إيران قنبلة نووية” فسوف تتبعها بلاده “في أقرب وقت ممكن”، بينما صرح وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عادل الجبير لوكالة الأنباء الألمانية، بأن بلاده تحتفظ بالحق في تسليح نفسها بأسلحة نووية إذا لم يكن في الإمكان منع إيران من صنع تلك الأسلحة. في كانون الثاني (يناير) الماضي أكد وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان أنّ المملكة أكبر مصدّر للنفط في العالم تعتزم استخدام مواردها من اليورانيوم لتطوير صناعة الطاقة النووية.

حتى الآن، لم تبد إدارة بايدن مرونة كافية في التعامل مع المتطلبات السعودية، من هنا تبحث الرياض عن بدائل أخرى. تجري مباحثات بشأن البرنامج النووي مع شركة “كيبكو” الكورية الجنوبية، وبالمثل مع فرنسا؛ لكن الرياض تتخوف من تأثير واشنطن على سيول وباريس في عرقلة الاتفاق معهما. أيضاً ليس سهلاً في ظل الحرب الأوكرانية العمل مع روسيا، بسبب العقوبات الأميركية والأوروبية عليها. ومع إدراك السعوديين أن التكنولوجيا النووية الأميركية هي الأفضل، فإنهم يخطون بثبات صوب التكنولوجيا الصينية؛ وثّقت الرياض علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع بكين، أكبر شركائها التجاريين. ومع الحفاظ على العلاقات مع واشنطن شريكتها الأمنية، تستطيع السعودية حالياً بناء صواريخ بالستية بعيدة المدى بفضل التكنولوجيا الصينية، ووقع البلدان مذكرة تفاهم للمساعدة في بناء مفاعل نووي، وتساعد الصين السعودية في تطوير ثمانية مواقع للتنقيب عن اليورانيوم.

  • الخيار الصيني

بكين شريك استراتيجي لطهران، لكن بروز الصين كقوة صاعدة عالمياً، جعل الرياض تعمل على تعزيز الثقل الخليجي والعربي في دائرة علاقات الصين مع المنطقة، من دون أن تنكفئ على العلاقات الاستراتيجية مع إيران فقط. تخدم العلاقة مع الصين توجهات الأمير محمد بن سلمان، الذي يسعى لتنويع اقتصاد المملكة (بجانب النفط) وجذب استثمارات أجنبية في البنية التحتية والتصنيع والتكنولوجيا، بينما تتطلع بكين إلى إرساء أسس “نظام ما بعد أميركي” في الشرق الأوسط والعالم. إن فك الارتباط التدريجي لواشنطن بالشرق الأوسط، يمثل فرصة الصين “لتحقيق مكاسب اقتصادية”. وجاءت زيارة الرئيس شي جينبينغ للسعودية وعقد القمة العربية – الصينية فرصة لزيادة الاستثمارات وتعزيز الشراكة الاستراتيجية مع بلدان الشرق الأوسط التي تقع على طريق الحرير الجديد الذي تبناه الرئيس الصيني.

وفي أثناء استضافته لقاء وزيري خارجية السعودية وإيران في بكين، الخميس الماضي، صرح وزير خارجية الصين أن بلاده تدعم دول المنطقة في الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي والتخلص من التدخل الخارجي. تصريح له مغزاه ودلالاته الكاشفة؛ غني عن البيان أن نجاح الوساطة الصينية بين الرياض وطهران، من أهم أسبابه أنها تقدم للطرفين من الفرص ما يكفل مصالحهما، ومن ثمّ تحوز بكين ثقة متزايدة في الرياض، لا سيما في سعيها لإحياء برنامجها النووي، فالتحفظات الأميركية تجعل من الصين البديل الأفضل أمام المملكة، وفقاً لشروطها وتطلعاتها، ولا شك في أن واشنطن لن تنظر بارتياح إلى الشراكة النووية السعودية – الصينية، توخياً لأن تصبح الرياض أول دولة عربية تحوز سلاحاً نووياً.

قال جورجيو كافيرو الرئيس التنفيذي لشركة استشارات المخاطر الجيوسياسية في “غولف ستايت أناليتيكس”، في واشنطن، إنه “على مدى سنوات، تعمقت علاقة السعودية بالصين في سياق بيئة متعددة الأقطاب، مع اشتداد التنافس الأميركي – الصيني، إذ ترى المملكة علاقتها مع بكين في غاية الأهمية للمستقبل. ووفقاً لكافيرو، “يقترب السعوديون من الصين، من دون أن يحرقوا جسورهم مع الغرب”.

للإنصاف، يمكن القول إن جميع أطراف اللعبة قد تغيرت توجهاتهم، لكن التغيير الأكبر والأبرز من نصيب السعودية، مملكة جديدة يعاد تشكيلها، لتكون رمانة ميزان النظام الإقليمي وترساً أساسياً في النظام العالمي، لا يمكنه العمل من دونها، وترجح كفة أي معسكر تنضم إليه، ومعها دول الخليج. ينظر الأمير محمد بن سلمان بوعي استراتيجي إلى القوس الأوسع في معادلات العلاقات الدولية وتحولات النظام العالمي؛ ساعياً للوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock