
محمد الشرقاوي يكتب : وفاة أحمد جواد … ظلم بنيوي وتغييب عدالة !
لم يعد في مغرب العجائب ما يبقي الأمل أو الإيمان بأنه عاد من انحراف بوصلته أو قام من انجراف حركته نحو القاع. مشهد بوعزيزي آخر يتكرر أكثر من مرة بين من أوصلتهم سوداوية الحياة مسالك الموت خيارا نهائيا للمقاومة في المغرب. ويهرول كثيرون إلى تأويلات كثيرة للحد النفساني المأساوي الذي بلغه الفنان المسرحي الراحل أحمد جواد قبل إضرام النار في جسده في اليوم العالمي للمسرح قبل أسبوع.
تتردد المؤاخذات على الفقيد بسبب أنه “انتحار” كما يبدو لهم، وهم يقفون وقفة الوعاظ بمرجعيات دينية أو تبريرية لحصر الانتقاد في ما أقدم عليه دون تحويل العدسة إلى العوامل والخلفيات وقوة البيئة من حوله عليه. لكن طول المعاناة من داخل دائرة اليأس ليس كتوجيه لوم من خارجها. ومن لم يعان، لا يستطيع أن يفهم كيف يسخر المرء جسمه آخر أداة للمقاومة وإنهاء الاحتراق الداخلي.
ما لا يعرفه كثيرون أن هناك ظلما بنيويا مزمنا حاصر الفنان المقاوم بطول الغبن الذي لحقه لسنوات خلال عمله في وزارة الثقافة وولعه بالمسرح. كان وضعه الإداري والمالي السلم 5 بأجر شهري لم يتجاوز 1800 درهم، وهو مبلغ لا يزيد عن 180 دولار لمن يود اختبار قدراته المعيشية في عاصمة كالرباط.
هو صراع ممتد بين جواد الفرد والبنية الإدارية والثقافية التي تمثلها وزارة تحللت منه بقرار تقاعد ينهي تعاقده واعتبرته رقما من الأرقام. وهو أيضا صراع اجتماعي بين موظف عانى الحكرة وثلاثة من وزراء ثقافة على الأقل تعاقبوا على المنصب، ولم يتشبعوا بثقافة التواضع وثقافة الإنصات إلى المستضعفين والمعذبين في الأرض. ولا غرابة أن يكون كذلك صراعا بيولوجيا نفسيا بفعل إفرازات catharsis في جسم الفنان الراحل من شدة وطول الغضب الذي ساوره لسنوات.
وفاة أحمد جواد اليوم حالة مغربية من حالات العنف البنيوي structural violence الذي كتب عنه منظر دراسات السلام يوهان غالتون Johan Galtung، ومفادها أن البيئة العامة تفرض قيودا على طموحات الفرد أو تحرمه مما يعتبره أمرًا مستحقًا له، فيحدث توالد النزعة إلى الاحتجاج ثم المطالبة وتراكم الاحباط والشعور باليأس، إلى أن يصل الفرد إلى مرحلة السوداوية النهائية ليحرق الجمل بما حمل. وما لا يدركه بعض ذوي فتاوى “الانتحار” أن هناك دركا أسفلا وأسودا لا يعيه إلا من تهاوت به الأوضاع وأثقلته رجات الرفض والتجاهل لمطالبه وطموحاته، وانغلقت في وجهه جميع الأبواب.
تمثل نظرية العنف البنيوي عدسة للرؤية من الداخل والتمعن في الفرق بين الحبكة البنيوية التي يتداولها المسؤولون والمؤسسات والإعلام من حولهم وحبكة التجربة والطموحات الذاتية للفرد. وقد لاقت هذه النظرية انتشارا واسعا في علم النفس الاجتماعي وتسوية الصراعات وأخيرا دراسات التنمية. وليس ثمة نظرية أفضل لتفسير الظاهرة البوعزيزية بين تونس والمغرب.
للمزيد عن معاناة أحمد جواد ليس هذا العام، بل قبل أكثر من عشر سنوات، أعيد نشر مقالة نشرها الإعلامي الراحل حكيم عنكر في صحيفة “المساء” عام 2013 بعنوان تراجيدي مباشر؛
أحمد جواد.. لا تحرق نفسك يا رجل!
“يوجه المسرحي والفنان والمنشط في مسرح محمد الخامس أحمد جواد نداء يائسا وكابوسيا، لكنْ جادا، إلى المسؤولين في وزارة الثقافة وفي الحكومة، ثم إلى الوسط الثقافي المغربي. وفحوى هذا النداء أنه مُقدِم يوم فاتح يوليوز المقبل على إحراق نفسه أمام مدخل وزارة الثقافة.
ليس هذا تهديدا «أبيض» لا يجب أن يؤخذ على محمل الجد، فالرسالة التي بعث بها إلى الصحف والمواقع والأصدقاء من المثقفين والكتاب وإلى الرأي العام هي رسالة يأس أخيرة، لا تحتاج إلا إلى عوذ ثقاب كي تشعل النار في الجسد النحيل.
السبب في إقدام أحمد جواد على هذه «الخطوة النارية» هو ما يشعر به من عدم إنصاف في حقه، لقد ظل في السلم الخامس دون أن يغادره منذ أن جرى تعيينه كموظف في مسرح محمد الخامس. وكشفُ أجرِه الشهري يوضح أن الرجل، الذي يشرف على عدد من الأنشطة، لا يتقاضى إلا 1800 درهم في الشهر، وهو أجر السميك الذي لا يستطيع أحد أن يعيش به في العاصمة الرباط، وأن يكون أنيقا وببذلة مكوية، ومبتسما طول الوقت، ونشيطا وحركيا وخدوما وهو يسيِّر الأنشطة التي فشلت مؤسسات كاملة، لها ميزانيات ضخمة وجيش من البشر، في إقامتها؛ أما إذا أضيفت أعباء الأسرة، وليس «نادي الأسرة» الذي كان يسيره، ف»العفو».
يحتاج الواحد إلى بطولة نادرة وإلى عفاريت سيدنا سليمان كي يقوم بالقليل مما يقوم به أحمد جواد الذي لا يمكن أبدا المرور عليه مرور الكرام، حتى وإن كانت ذاكرة البعض متخمة بآفة النسيان أو مريضة بالجحود والنكران أو متغطرسة ومتعالية؛ فهو صاحب تجربة «نادي الأسرة» قبل أكثر من 12 سنة؛ ومن ذلك المكان الذي كان موجودا في خلفية المسرح الوطني، المكان المهمل الذي لا يدخله أحد، استطاع جواد أن يركب أسلاك الحرارة في نبض العاصمة البارد، وأن يأتي إلى القاعة الصغيرة بالوزراء والمقاومين والأسماء الكبيرة من المفكرين والكتاب والمبدعين المغاربة، وأن يفتح المركز على جهاته البعيدة وعلى مناطقه القصية.. فهنا تحدث ووقع كتاب في أول الطريق وهم يدخلون العاصمة بدهشة «بدوي في المدينة»، وهنا كان النقاش الحار والجرأة والصدق وواحة اللقاءات والزمن الصادق حقا.
لم تكن التطلعات قد بدأت بعد، ولا الانتهازية قد لبست «قشابتها»، في هذا المناخ الذي التقى فيه يساريون وأهل يمين وإسلاميون ومن لا انتماء لهم، كان شخص وحيد يشرف على هذه الحلقة، ويتابع ويرتب المواعيد ويستقبل الضيوف ويسوي القاعة ويصف الكراسي ويحضر الميكروفون وقنينة الماء.. هذا الشخص كان هو أحمد جواد.
مرّ وقت وجاء آخر، وأجهز على تجربة «نادي الأسرة»، بسبب ضيق في الصدور ورغبة في كبت الصوت المقموع المتحرر المنطلق، ثم عادت «العادات السيئة» إلى خلفية المسرح والطريق المشجر المحاذي له، وذهب جواد للدفاع عن نفسه من أجل تسوية وضعيته؛ ففي غمرة إشرافه على «النادي» نسي وضعه الإداري، وحين تعاقب المسؤولون أنكروه، كأنه لم يكن.
تتدخل الأيادي البيضاء، فلا يمكن رمي الرجل مثل «كلينكس»، سيكون الأمر فظاعة إنسانية، من غير تسوية وضعيته التي جاءت دون المأمول.. تثبيت في السلم الخامس.
ويتغير الوزراء دون أن يتغير وضع الرجل الوظيفي. وخلال هذا الزمن المنساب، عاد جواد إلى حبه الأول، المسرح، جرب وأخرج وانتهى إلى نوع من المسرح يراه عزاءه الأخير «مسرح الذاكرة»، ذاكرة المغرب المعاصر الجريحة، وعنوان سنوات الرصاص خيطها الناظم. كانت الخشبة مجاله الحيوي في قول الأشياء بطريقته الخاصة.
فجأة، يعود إلى مهنته كمنشط ثقافي، المهنة التي يتقنها جيدا، فلا أحد يجاري جواد في هذا، لا أحد يستطيع أن يقنع مثقفين وكتابا ومفكرين وفنانين بقطع مسافاتٍ والمجيء إلى بهو مسرح محمد الخامس للقاء الجمهور والحديث عن تجاربهم، في زمن لم يعد فيه أحد يحتفل بالقيم الثقافية والفكرية، زمن أغبر وجهول، غير أحمد جواد؛ فهو «يحتال» عليك ويقنعك بأن ثمة مجالا ممكنا، وأنه لا ينبغي الركون إلى العزلة، وهو يأتيك بمن يتحدث عنك ويتصل بالإعلام، بل يأتيك بالجمهور ويبدد خوفك من الحضور الذي سيكون محترما بعد أن كسد السوق الثقافي في زمن المعادلات الخاسرة. وكان أن عاد النبض إلى الحياة الثقافية في الرباط، وأصبحت لقاءات بهو مسرح محمد الخامس العزاء الأخير.
فرجاء لا تقتلوا الرجل، لا تدعوه يضرم النار في الجسد النحيل يوم فاتح يوليوز، لا تتفرجوا عليه وهو يأتي بلتر بنزين ويدلقه على جسده، ويتكرر المشهد البوعزيزي.
هناك دائما أمل في إصلاح سلمه الوظيفي وجبر الضرر، فهو رجل جدير بالتضامن وبالحياة وبالاحتفال.”
نداء إنساني أصدره صحفي راحل عن محنة فنان راحل في مغرب يغادره أبناؤه ومثقفوه والنبض محتدم في قلوبهم، وتبقى فيه هامات خشبية، وأذان بلاستيكية، وألسنة تعلك عبارات “تعاطف” بعد فوات الأوان في زمن الخذلان والرياء!



