
ماجد كيالي يكتب : يوم الاستقلال و النكبة …. قواسم مشتركة
احتفت إسرائيل، الثلاثاء الماضي، بما تعتبره يوم “الاستقلال”، في الذكرى الـ75 لقيامها (حسب التقويم العبري)، لذا فالعنوان: “يوم استقلالهم يوم نكبتنا”، هو شعار صكّه فلسطينيو 48 في مواجهة التدليس الإسرائيلي، والسكوت الدولي، اللذين يحيلان إلى طمس الحقيقة، وتزوير الوقائع التاريخية، وإسباغ نوع من الشرعية على رواية تاريخية أخرى متخيلة.
وإذ يحيل الخطاب الإسرائيلي قيام دولة إسرائيل (أيار/مايو 1948) إلى حركة تحرر نشدت الاستقلال، وهو ما حصل بانتهاء انتداب بريطانيا على فلسطين، الذي تم بموجب صكّ أصدرته عصبة الأمم المتحدة (أيلول/سبتمبر 1922)، فإن بريطانيا ذاتها هي التي مكنت الحركة الصهيونية، إبان فترة انتدابها (1922 ـ 1948)، من بناء مؤسساتها (السياسية والاقتصادية والخدمية والعسكرية) في فلسطين، التي باتت مؤسسات لتلك الدولة الوليدة.
أيضا، فإن بريطانيا تلك هي التي سهلت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وسهلت للوكالة اليهودية السيطرة على أجزاء منها، ثم إن بريطانيا هي التي قمعت كفاح شعب فلسطين وانتفاضاته ضد الهجرة والاستيطان والاستيلاء على أراضيه.
والمسألة الأساسية هنا لا تتعلق فقط بانتفاء صفة “الاستقلال”، التي حلت قسرا محل صفة الاستعمار الاستيطاني الإجلائي للفلسطينيين والإحلالي لليهود المستوطنين، إذ هي شملت، أيضا، انتفاء علاقة المجتمع اليهودي في فلسطين بالأرض الفلسطينية، إذ إن الغالبية العظمى التي لم يكن ثمة رابط بينها، أتت بأساليب الهجرة والاستيطان، المدعوم من “الوكالة اليهودية”، أي أن إسرائيل قامت كمشروع سياسي، من دون صلة بالشعب وبالأرض، على خلاف الدول الطبيعية التي تقوم كنتاج لتفاعل أفراد الشعب في إقليم معين لإقامة مؤسسات جامعة، تأخذ شكل الدولة، في سياق تاريخي طبيعي.
كل ما تقدم يدحض أكذوبة أن الصهيونية حركة تحرر لليهود، إذ هي في هذا الإطار “حررتهم” من أوطانهم الأصلية، إضافة إلى أنها تأسست على اعتبار اليهود في العالم، من شتى القوميات والبلدان والحضارات والثقافات، شعباً واحداً، وهي أيضاً بدعة لا سابق لها في تاريخ البشرية!
في كل الأحوال، فإن إسرائيل قامت بفضل التاريخ، وليس رغما عنه، أي بسبب دعم الدول الغربية (ومعها روسيا)، وبسبب هشاشة الوضع العربي (آنذاك)، وبحكم هيمنة بريطانيا على الوضع الفلسطيني، وطبعا بسبب قوة تنظيم الحركة الصهيونية، مع ذلك فإن قيام إسرائيل أدى إلى خلق تداعيات كبيرة، من ضمنها خلق المسألتين الإسرائيلية والفلسطينية، والمسألة المتعلقة بكيفية إدراك العرب للغرب، أو توتر علاقتهم بالغرب.
والعرب، العلمانيين والمتدينين… تتحصن الدولة في داخل هويتها كدولة يهودية. (“هآرتس”، 26/4/2023) وهذا النقاش قديم، إذ يقول مثل أ ب يهوشع (أديب إسرائيلي مشهور) : “هويتي إسرائيلية. والدين اليهودي لا يلعب أي دور. فالأرض واللغة هما ما يبنيان هويتي كإسرائيلي… فاليهودي الإسرائيلي ليس كاليهودي الفرنسي وهو يختلف عن اليهودي الأميركي. فلكل يهودي هوية تتبع الأرض التي يعيش بها”. (“هآرتس”، 17/5/2006).
المفارقة أن النجاح الذي حققته الصهيونية بإنشاء إسرائيل نجم عنه نفيها، فقد انتهى دور كيانات مثل “المنظمة الصهيونية” و”المؤتمر اليهودي العالمي” و”الوكالة اليهودية”، وانحسرت مؤسسات الصهر، “الكيبوتز” و”الموشاف”، و”الهستدروت”، وحتى الجيش، على ما ظهر أخيراً، نتيجة التصدعات في المجتمع الإسرائيلي.
يأتي ضمن ذلك الإخفاق في إقامة دولة يهودية خالصة، إذ ظلت إسرائيل بمثابة دولة “ثنائية القومية” (مع وجود الفلسطينيين) وكدولة أبارثايد، ثم إن تديين الصهيونية، بدل علمنتها، لم يؤثّر فقط في مفاقمة التمييز ضد الفلسطينيين، إذ أثّر أيضاً في التضييق على اليهود العلمانيين أنفسهم الذين باتوا يرون أنفسهم في دولة تبدو أكثر فأكثر دولة دينية أخرى.
مع كل ما يتقدم، يُحسب لإسرائيل أنها دولة متطورة، في بنائها السياسي، كدولة ديموقراطية (لمواطنيها اليهود)، وبطريقة إدارة مواردها البشرية، وبنائها الاقتصادي، إذ بينما كان ناتجها الإجمالي المحلي قد بلغ 136 مليار دولار (عام 2000) أصبح 488 مليار دولار (عام 2021) مع حصة للفرد تبلغ 41 ألف دولار سنويا. ثم هي بين الدول الرائدة في البحث العلمي، إذ تخصص له 3 في المئة من ناتجها المحلي، بحيث باتت أحد أهم مراكز التطور التكنولوجي في العالم، كما أنها تصدر بما قيمته 143 مليار دولار سنويا (إحصائيات 2021)، رغم أنها صغيرة بعدد السكان والمساحة والموارد (27 ألف كلم2 وهي مساحة فلسطين).



