
سعيد ناشيد يكتب : من القلق إلى الطمأنينة
من الفلسفة إلى البحث في الفكر الديني.. هل هو الفضول المعرفي أم القلق الديني أم هي الأقدار فحسب؟ (عواطف بلدي، صحيفة الشارع المغاربي، 01 شتنبر 2020).
الإجابة الأكثر نزاهة أن أقول لك، لعلها الأقدار، والأقدار غالبة كما كان القدماء يقولون. لكن اسمحي لي بتعديل الترتيب الذي ورد في سؤالك، بحيث يصير على النحو التالي: من الفكر الديني إلى الفكر الفلسفي. وتحديدًا، من “قلق في العقيدة” الذي أصدرته عام 2011، إلى “الطمأنينة الفلسفية” الذي أصدرتُه عام 2019، ثم الكتب التي صدرت بعد ذلك في المنحى نفسه، وهنا المفاجأة. ذلك أن الطريق الذي سلكتُه قد يبدو لبعض الناظرين كأنه مقلوب، بحيث يُفترض أن أنطلق من نوع من القلق المرتبط بالفلسفة قبل الوصول إلى نوع من الطمأنينة المرتبطة بالعقيدة. بل هذا هو الطريق كما يتوقع الأكثرون. لقد شك ديكارت فلسفيا لكنه سرعان ما انتهى إلى نوع من اليقين “الديني”، وفق السردية الشائعة عن الكوجيطو الديكارتي، والذي صاغ العبارة الفلسفية الأكثر شهرة بين الناس.
بين كتاب “قلق في العقيدة” وكتاب “الطمأنينة الفلسفية” أصدرت عديدا من الكتب التي برهنتُ فيها على أن الخطاب الديني السائد والشائع قد أخلّ بوعود العقيدة جملة وتفصيلا. إذا كان الوعد الأساسي للعقيدة هو تحقيق السكينة والطمأنينة حتى في أشد ظروف الحياة قسوة وضراوة، أو هكذا يُفترض، فإن الخطاب الديني السائد والشائع في مجتمعاتنا ينتج مؤمنين متوترين، غاضبين، كارهين، متعصبين، متوجسين، وفوق ذلك كله خائفين من كل شيء: ضيق القبور، أهوال القيامة، فتنة الدجال، حشرجة الموت، كيد النساء، مكائد الشيطان، إلخ. خطاب كهذا لا يمكنه أن يبني شروط الأمن الروحي. والحال كذلك طبيعي أن يكون تاريخنا الهجري تاريخ فتن كقطع الليل المظلم، وفق توصيف الموروث الحديثي نفسه.
بين تصورين للدين، تصور يناقض مقاصد العقيدة والتي تلخصها الآية (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، فيثير في القلوب كل أشكال الخوف والحزن والتوتر والشقاء، ومن ثم يهدد الأمن الروحي للإنسان، وتصور يحاول أن يرسخ حالة الطمأنينة والسلام الداخلي (ما اصطلح عليه فلاسفة اليونان بالأتاراكسيا)، كانت الطريق سالكة بالنسبة لي، ولقد برهنتُ على أنها قد تكون سالكة للجميع، وذلك بصرف النظر عن علاقة البعض بالمعتقدات الدينية، سلبا أو إيجابا، وبغض الطرف عن درجة الإيمان.
لا تخلو الأديان من حكمة يمكن استخلاصها واستثمارها في تنمية القدرة على الحياة، كما لا تخلو الحكمة من أبعاد روحية يمكن استخلاصها واستثمارها في تنمية القدرة على الحياة، غير أن ذلك كله يحتاج إلى قدر معتبر من الحس النقدي، والذي تنميه الفلسفة، بعيدا كل البعد عن ثقافة التسليم.
حين يطلب منك الدجال التسليم، فهو يطلب منك أن تسلم له عقلك.
الأكثرون لا يُسلمون أعراضهم بسهولة، لكنهم قد يُسلمون عقولهم بكل سهولة، إذ يرونها أرخص ما لديهم،ح للعار !



