سعيد ناشيد يكتب : معركة الإنسان ضد ظلمة الليل

معركة الإنسان ضد ظلمة الليل جزء من سيرورة بناء الحضارة الإنسانية. فالليل في الصحاري والبراري والغابات موحش بالفعل،حيث لا يتاح للإنسان نوم هادئ وآمن، بل كل نومه يكون محفوفا بالحذر والكوابيس.
لم ينعم الإنسان منذ وجوده على الأرض بفرصة نوم هادئ وآمن، سواء عندما كان ينام على الأشجار مكشوفا بلا مخبأ ولا غطاء، أو حين هبط من الأشجار لكي ينام في الكهوف والمغارات.
هبوط أجدادنا للنوم في الكهوف، لا يعني انتقالهم من نوم غير آمن إلى نوم آمن، بل معناه أنهم فضلوا التعامل مع مخاطر النوم في الكهوف حيث الأفاعي والعقارب، على مخاطر النوم على الأغصان حيث السقوط والضواري والكواسر؛ لقد فضلوا النوم في ظلمة الكهوف المسدودة والأشد عتمة على النوم في ظلمة السماء المفتوحة.
مع أن الطريق إلى النوم الآمن كان لا يزال طويلا، إلا أن الإنسان شق مبكرا طريقه بإصرار، طالما يعلم بأن قسطا كبيرا من عمره القصير يمضيه على الفراش.
بادئ الأمر، قرر الإنسان أثناء النوم أن يضع رأسه على أشياء تبقيه في حالة تأهب، ولئلا يشعر بأنه في حالة سقوط. هكذا انطلق تاريخ الوسادة، بدءا من توسد الأحجار والأعواد الصلبة في محنة استغرقت آلاف السنين قبل أن يهتدي الإنسان إلى الوسادة الناعمة أخيرا.
قرر الإنسان في الأثناء أن يدخل النار لإضاءة مكان مبيته، وتأمينه قبل النوم، ثم جعل لفراش نومه أرجلا ترفعه قليلا عن مخاطر الأرض، بالموازاة اخترع الحكاية للمؤانسة، وأبدع في شروط السكينة قبل أن يظهر مفهوم المسكن، وقبل أن ينجح العلم في إضاءة المنازل، وحتى الشوارع والأحياء، في انتصار كبير على وحشة الليل.
أصبح ليل المدن مشعا بالأضواء الكاشفة، وليل البيوت قابلا للإضاءة في كل الأوقات، ولذلك صار النوم قرارا فرديا لم يعد مرتبطا بمصباح عائلي ينطفئ على الجميع، هنا تكمن إحدى معضلات الآباء والأمهات مع أبنائهم اليافعين اليوم، وهي الصعوبة التي ستتفاقم إذا ما اختفى الليل تماما، وفق بعض وعود العلم.
لا يقين حول مآلات معركة الإنسان ضد وحشة الليل، لكن المؤكد أننا اليوم توفرت لنا فرصة نوم آمن لم تكن تتوفر لآبائنا قبل مئة عام فقط، غير أن إغراءات عدم النوم توفرت لنا في المقابل بنحو لا مثيل له في الماضي القريب والبعيد. يصعب أن نختار، لكن ينبغي ألا ننسى أننا كائنات نهارية بحكم طبيعتنا البشرية.
وهكذا أقول لك:
قريبا قد ينتصر الإنسان على الليل بظلمته ووحشته، لكن التحدي هو ألا تنسى بأنك لست كائنا ليليّا.
الشجاعة هنا أن تنسج ليلك كل ليلة، وتذهب إلى فراش نومك في التوقيت الذي يناسب طبيعتك البشرية، بصرف النظر عمن تتقاسم معهم سقف بيتك، وحتى لا تنكسر سيرورة الإنسان الطويلة نحو نوم آمن وأحلام هادئة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock