
سعيد ناشيد يكتب : ذكاء الجسد في مرونته …
عند ولادتك لم تكن تعرف كيف تستعمل جسدك؟ لم تكن تعرف كيف تُحرك يديك ورجليك؟ لم تكن تعرف كيف تستدير أو تتقلب؟ كيف تقف، تمشي، تجلس، تتنقل، إلخ؟ كنت أقرب إلى الحالة النباتية، حيثما توضع تمكث، حتى إذا هجرت هلكت في موضعك. ولقد استغرقت زمنا طويلا قبل أن تكتسب مرونة تحريك جسدك في كل الاتجاهات، وبكل الكيفيات، لأجل الحركة، التنقل، استعمال الأشياء، وفي النهاية لأجل البقاء والنماء.
صحيح أنك خرجت إلى الوجود بجسد مجبول على الحركة، لكنك لم تكن تعرف كيف تحركه؟ لذلك بقيتَ طيلة فترة الرضاعة تركل بيديك ورجليك بعشوائية وتشنج، في انتظار أن تكتمل المرونة الحركية والوجدانية.
هو الركل نفسه الذي كنتَ تمارسه في أيامك الأخيرة داخل الرحم، كتعبير عن إرادة الحياة، ثم عاودتَه بعد ولادتك، مما أزعج الكبار من حولك، فاستعملوا القماط لتكميم جسدك من أسفل الرأس إلى أسفل الركبتين. لكنك بقيتَ مصرًّا على اكتشاف ممكنات جسدك، تحاول ترويضه وتطوير مهاراتك بفعل قوة الحياة.
شيئا فشيئا بدأتَ تتعلم كيف تستعمل عنقك لكي تدير رأسك بالمقاييس المناسبة؟ كيف تستعمل يديك لكي تمسك الأشياء بالشكل المناسب؟ كيف تستعمل ركبتيك ويديك لكي تحبو بالتتابع المناسب؟ كيف تستعمل خصرك لكي تجلس بالتوازي المناسب؟ كيف تستعمل ساقيك لكي تقف بالتوازن المناسب؟ ثم كيف تمشي، تجري، تقفز، تلتفت، تنحني، إلخ؟ ثم كيف تسوق الدراجة؟ كيف تسبح؟ كيف تعزف على البيانو؟ كيف ترقص؟ وفي النهاية كيف تحرك جسدك بسيولة وانسياب، لغاية التعبير عن ممكنات الجسد البشري والتي تظل لا محدودة.
عندما اشتدّ عودك بدأتَ في اكتشاف إمكانيات جسدك اللامحدودة بشغف احتفالي يزعج الكبار مرة أخرى. فكانت المهمة الأولى لمجتمع الكبار مواصلة تقييد جسدك مرّة أخرى. ذلك المسار الذي يبدأ مبكرًا بالقماط تواصله بعض مؤسسات التعليم في إصرارها على تربيع الأيادي.
مع بلوغك سنّ التمدرس تواجه الدّرس الأوّل والأصعب والذي يلازمك طول حياتك المدرسية، حيث ينبغي أن تمكث في المكان نفسه، على المقعد نفسه، لأطول مدّة ممكنة، وضدّ طبيعة جسدك.
ذلك أن الجسد مذهل بكل المقاييس، إنه أكثر الموجودات بُعدًا عن الجمادات، يلين دون أن يكون سائلا، ينساب دون أن يكون غازا، يفكر دون أن يكون روحا.
لذلك يستمر الجسد الرياضي في إذهالنا، فلا يكفّ عن مفاجأتنا بوجود إمكانيات لم يتم استنفادها بالكامل. ما يعني أن إمكانيات الجسد البشري لا محدودة، وبحيث ينبغي لنا أن نتيح له فرصة التعبير عن ممكناته، وعن لا ممكناته كذلك.
مؤسف أننا لم ندرك بعد أن مكوث الطفل لساعتين أو أكثر جالسًا في الوضعية نفسها، بدعوى التمدرس، يمثل جريمة في حق الجسد، جريمة في حق الطفل، وجريمة في حق الإنسانية، طالما يتعلق الأمر بالجسد البشري، والذي هو أبعد الموجودات عن الجمادات. هنا يكون الأطفال المتمردون محقين، طالما يمثلون التعبير الحقيقي عن الوضع البشري.
أن يمكث الجسد طويلا في المكان نفسه، تلك هي الإعاقة التي تساهم فيها مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ثم مؤسسات العمل والإنتاج أيضا، لا سيما وأن كثيرا من الوظائف الحديثة تعتمد على الكرسي والحاسوب. غير أن الجلوس طويلا على الكرسي يضعف مرونة الجسد، وبالتالي مرونة العقل، ما قد يمنح الغلبة في الأخير للذكاء الاصطناعي.
الرقص ترويض للجسد، وبالتالي العقل أيضا.
بل، هكذا أقول لك :
ذكاء الجسد في مرونته، ومن ثم قدرته على التكيف.
إذا خسر الجسد ذكاءه سينتصر الذكاء الاصطناعي.
تلك هي المعادلة.



