
سعيد ناشيد يكتب : تعريف أرسطو لمفهوم الشجاعة ….
لعل التعريف الذي أورده أرسطو عن الشجاعة هو الأكثر دقة في تاريخ علم الأخلاق، لكن لدينا فرصة لمزيد من التدقيق.
وفق أرسطو، فإن الشجاعة هي الحد الأوسط بين الجبن والتهور. المسألة واضحة، مثلا، استعجال الهرب من كل ما يشبه الخطر مجرد جبن، إلا أنّ الاندفاع غير المحسوب نحو الخطر مجرد تهور.
فضيلة الشجاعة هي الحد الأوسط بين رذيلتين إذا، رذيلة الجبن من جهة، ورذيلة التهور من جهة ثانية. غير أن الأمر لا يشبه إمساك العصا من الوسط. وها هو التدقيق المطلوب:
لا يحيل الحد الأوسط إلى منتصف القطعة المستقيمة، بل يحيل إلى رأس زاوية متوازية الضلعين، فيما يشبه أعلى الهرم والذي يقع بدوره في الوسط.
بهذا النحو نفهم القابلية للانزلاق من قمة الشجاعة إلى رذيلة الجبن أو رذيلة التهور، كما يحدث في كثير من التجارب الإنسانية، ذلك أن الشجاعة قمة بالغة الحدة، بحيث يكون التوازن تحديا صعبا.
لا ننس أن الوظيفة الأساسية للعقل هي حفظ التوازن، التوازن في المشي، والجري، والوقوف، التوازن في النظام الغذائي، التوازن في الأفعال وردود الأفعال، التوازن في الرغبات والانفعالات، التوازن في استعمال القوة الجسدية، التوازن في الإيقاع الحركي، إلخ.
الجبن انفعال غير متوازن، والتهور انفعال غير متوازن، لكن الشجاعة توازن وجداني دقيق يضمنه العقل حين يشتغل كما ينبغي.
إن كان كانط يرى أن استعمال العقل يحتاج إلى الشجاعة، فالوجه الآخر للمعادلة أن الشجاعة نفسها قد لا تأتي إلا من خلال استعمال العقل، وإلا ستكون مجرد تهور خائب أو جبن صاخب.
أكبر منبع للخوف كما يرى أبيقور وسائر الأبيقوريين هو الجهل.
إن كان الخوف يعطل العقل فيكفي قلب المعادلة للحصول على الحل: إن الإصرار على استعمال العقل من خلال طرح كل الأسئلة الممكنة، هو الكفيل بزوال الخوف بكل أنواعه وألوانه.
وهكذا أقول لك:
يكفي أن تستعمل عقلك كما يجب حتى تأتيك الشجاعة من حيث لا تحتسب.



