
سعيد ناشيد يكتب : الحيوانات تعاني من التوتر في لحظات الخطر
تعاني الحيوانات من التوتر في لحظات الخطر، إلا أنها داخل المحميّات التي ينعدم فيها الخطر تعاني من توتّر دائم وأكبر. في الحالة الأولى يرتبط التوتر باللحظات التي يتطلب فيها الأكل أو الشرب قرارًا بالغ الخطورة. وفي الحالة الثانية يرتبط التوتر بمشاعر الملل الناجمة عن غياب أي نوع من التحدي، وهنا يكون التوتر دائما.
في البراري المتوحشة يقترب الحيوان العطشان من البحيرة مترددا، يحس بالخطر، فقد يكون التمساح متربصًا تحت الماء، وبين العطش الذي يجره إلى الاقتراب والخوف الذي يدفعه إلى الابتعاد، يعيش أقصى درجات التوتر. وفي النهاية قد يسترق جرعات قليلة يكتفي بها حتى وإن كانت لا تكفيه.
غير أن توفير الطعام والماء داخل المحميات الآمنة إن كان يحمي الحيوانات من التوتر الناجم عن لحظات الخطر، فإنه يضعها في توتر دائم بسبب الملل.
لقد وجدت الحياة منذ البدء في بيئة غير آمنة، ثم تشكلت الغرائز القتالية للإنسان على أساس ضمان الجاهزية اليومية للمواجهة مع التحديات غير المتوقعة.
لأجل ذلك تندرج مواجهة مختلف التحديات ضمن الحاجيات الروحية للإنسان، والتي يمكن توجيهها نحو البناء أو الهدم، نحو الحضارة أو الهمجية، نحو الحياة أو الموت.
ولأننا ننسى حاجة الإنسان إلى مواجهة التحديات والمخاطر، فإننا قد لا نتفهم لمَ يختار أبناؤنا “المراهقون” المخاطرة المجانية عندما نصر على وضعهم داخل بيئة آمنة، ذلك أننا ننسى حاجتهم الروحية إلى مواجهة التحديات والأخطار. إن لم نساعدهم على تلبية تلك الحاجة بأشكال منظمة من الألعاب والرياضات والفنون فقد ينسجون مخاطرهم بوسائلهم الخاصة: الإفراط في السرعة، الشغب في الملاعب، صالات القمار، وإلى غير ذلك.
تكمن إحدى جوانب قوة المجتمع الأمريكي في قدرته على تقنين أكثر الألعاب خطورة لغاية كسر الملل الناجم عن العيش داخل “محميات المدن الحديثة”، وتلبية إحدى الحاجيات الأساسية للإنسان.
لغاية تلبية الحاجة الغريزية للتعرض إلى التهديد، أَوجد الإنسان مختلف المنافسات الرياضية القائمة على التباري والتنافس واحتمالات الخسارة. على أن متعة مشاهدة مباريات كرة القدم تكمن في أنها تضع المشاهدين كافة تحت مشاعر التهديد طيلة ساعة ونصف.
المعضلة الباقية أن هناك في عالم السياسة من يستثمر مشاعر التهديد من أجل توجيه أنظار المجتمع نحو ادعاء وجود تهديد خارجي دائم وغير مرئي، وذلك لغاية السيطرة النفسية على المجتمع. وهي رهانات بالغة الخطورة على السلام الإقليمي والعالمي.
وهكذا أقول لك:
لقد خلقت لأجل أن تواجه تحديات جديدة كل يوم، لكنك ورثت الخوف من خوف والديك عليك. ماذا تريد الآن؟ هل تريد حبا آمنا؟ هل تريد عملا آمنا؟ هل تريد سفرا آمنا؟ هل تريد حياة آمنة؟ ذلك معناه أنك لا تريد الحياة !
إذا كان الحبّ نفسه يحتاج إلى صعقات من الخطر لكي ينتعش ويتخلص من الملل والفتور، فكذلك الحياة تحتاج إلى صعقات من الخطر لكي تنتعش وتتخلّص من الملل والفتور.
حين تهدد الريحُ النار بالإطفاء، فإنها تؤججها أيضا.



