
سعيد ناشيد يكتب : آية التفكير التريث
فَكر ببطء شديد لكي تفكر جيدا. فآية التفكير التريث.
لكن المانع من التريث هو الإحساس بضيق الوقت وقِصر العمر.
لذلك..
إن أردتَ أن تنتج فكرة جديدة في أي مجال، فلا تكترث بقصر العمر، حتى لا يأتي تفكيرك مشوبًا بالتسرّع والاستعجال.
لا تخض أيّ سباق ضدّ الساعة، بل لا تنظر إلى الساعة أصلًا.
لا تخش أن يقطع الموت طريقك، رغم أنه سيفعلها في كل الأحوال.
احترم إيقاعك الداخلي وكفى..
تحرّر من هاجس الفناء الذي يحرمك من التريث الذي هو خاصية التفكير. ذلك أن العقل لا يتصرف إلا ككائن خالد، إنه لا يحب أن يسابق الزمن، لا يحبّ أن يخضع لهاجس الفناء، كما لو أنه يتضمن شيئا من خاصية الخلود، بل لعل بعض العقول تخلد فعلًا بعد موت أصحابها.
لو لم يتحرر بوثيئوس من هاجس الزمن المتبقي في زنزانة الإعدام، لما أنتج رائعته “عزاء الفلسفة”، والتي ضمنت له الخلود العقلي. ذلك أنه لا يزال يحاورنا إلى اليوم.
بل كل العقول الكبيرة في تاريخ البشرية لا تزال تتحاور وتحاورنا إلى اليوم، بعد أن فازت بالخلود الذي هو غايتها بحكم طبيعتها. أليس عقل أرسطو خالدًا إلى اليوم؟ أليس عقل ابن رشد كذلك؟
بهذا النحو أتفهم أطروحة سبينوزا : الإنسان الحر لا يفكر في الموت بل في الحياة.
إلا أن آفة التفكير هي السرعة التي اكتسبناها أيضا كعادة سيئة منذ أيام المدرسة، حين كان جدول الحصص مقيدا بسقف زمني محدود، وكان يقال، دقيقة للإجابة، دقيقة للتفكير، دقيقتان لحل المسألة، كما لو تعلق الأمر بالبحث عن لعبة مخبأة في مكان من غرفة مظلمة.
ليس هكذا يكون التفكير، ليس هكذا يكتسب الإنسان مهارة التفكير.
التفكير صلاة مفتوحة على أفق اللاتناهي، وبحيث لكل ذات إيقاعها الروحي الخاص.
وهذا هو المطلوب منك:
في لحظات التفكير أزِل كل الأقنعة، قناع الأستاذ، الباحث، الخبير، العالِم، إلخ، تخفّف من قيد كل المواعيد واللقاءات والتواريخ، تخفّف من كل نجاحاتك السابقة واللاحقة، وأعد الحفر مجدّدًا وببطء شديد، كإله لا يكترث بهاجس العمر.
هكذا ستُفكر بكل أصالة وعمق وإخلاص.
وسواء ضمنتَ لعقلك الخلود أم لا، سواء طال بك العمر أم لا، ستكون قد واصلتَ نموك، استوفيت ما تطلبه منك الحياة، ومنحتك الحياة في المقابل كثيرًا من الرضا والفرح.
فهل تريد أكثر من هذا؟!



