
سعيد ناشيد يكتب : الحب أجمل تجربة في حياة الفرد …
سأنهي رحلة البلاغات ببلاغ الختم هذا، ومن خلاله أقترح سؤالا يقلق الناس كلهم، لكنهم نادرا ما يجرؤون على طرحه: إذا كان الحب أجمل تجربة في حياة الفرد فلماذا لا يكون تجربة سعيدة بالفعل؟ لماذا تعتريه فترات حتمية ومتعاقبة من الحزن والتوتر والخوف واللوم والتذمر؟ إذا كان الحب يندرج ضمن مشاعر الفرح حسب سبينوزا، فلماذا لا يخلو من وخز مؤلم وحزين؟
نحتاج إلى الشعراء لكي نشعر بالجانب الممتع في التجربة، لكننا نحتاج إلى الفلاسفة لكي نفهم الجانب المؤلم في التجربة، والأمل في ذلك كله أن نخوض المغامرة حين يُقدر لنا خوضها، بمتعة أكثر لكن بألم أقل، طالما أن الفهم يخفف من الألم.
ما المؤلم في تجربة الحب؟
ثلاث لحظات من الألم في تجربة الحب :
أولا، لحظة الوقوع :
في معظم لغات العالم يتم تمثيل تجربة الحب بعملية الوقوع، فيقال، “وقع فلان في الحب”، كما لو أنه وقع في حفرة أو بئر. هذا التعبير الذي تتواطأ عليه معظم لغات العالم، له نصيب كبير من الصحة إذا. وها هو التوصيف الأكثر دقة:
الحب وقوع يعقب اختلال التوازن جراء انجذاب فجائي وحاد.
إلا أن الوقوع فن ومهارة.
كيف ذلك؟
يعيدنا الأمر إلى فنون البودو التي سبق الكلام عنها، فنون القتال اليابانية المتحدرة من تقاليد الساموراي. فأول مهارة يتمرن عليها المتعلم في معظم فنون البودو هي مهارة السقوط، بحيث يتعلم كيف يجعل من وقوعه على الأرض تجربة غير مؤلمة، بل ممتعة؟
أن تصبح تجربة الوقوع غير مؤلمة في مرحلة أولى، ثم ممتعة في مرحلة ثانية، فذلك هو الدرس الأولي والأساسي في فنون البودو، وإنه لدرس في الحياة أيضا.
الوقوع في الحب كأي وقوع آخر، هو في أصله تجربة مؤلمة، بل قد تكون مدمرة أحيانا، لذلك كل من غنوا عن الحب غنوا بنبرات صوت حزينة، كما لو أنهم يستشعرون الوجع الكامن، ما قد يحرج سبينوزا بالفعل، والذي يصر على تصنيف الحب ضمن المشاعر المبهجة.
ما المطلوب؟
المطلوب منا حين نفقد توازننا بفعل جاذبية الأرض أو انجذاب المشاعر، هو أن نحسن الوقوع، وذلك حتى لا تتحطم عظامنا في تجارب الوقوع الجسدي، أو تنكسر قلوبنا في تجارب الوقوع العاطفي.
المطلوب هو أن نسقط بنحو جيد.
غير أن أكبر عائق أمام السقوط الجيد هو الخجل، ليس الخجل هنا من الحب في حد ذاته بل الخجل من كون الحب يرتبط برمزية السقوط. فلا أحد يتمنى أن يراه الناس ساقطا على الأرض، لذلك تعد تجربة السقوط في الشارع العمومي من أكثر التجارب مدعاة للخجل. إلا أ الإنسان المكتفي بذاته سيساير اتجاه السقوط لكي يحمي عظامه أكثر من اهتمامه بنظرات الآخرين.
إذا كان الوقوع الجيد للجسد يتطلب قدرا عاليا من المرونة العضلية لأجل حماية هشاشة الأجساد، فإن الوقوع الجيد في الحب يتطلب قدرا عاليا من المرونة العاطفية لأجل حماية رهافة القلوب.
ذلك أن التصلّب في كل أحواله لا يحمي الإنسان من الوقوع، لكنه يجعل الوقوع حدثا مدمرا.
ثانيا، لحظة الأمل :
يمضي الوقت وتتحقق الرغبة، لكن المؤلم أيضا أن الحب يمنحنا في النهاية متعة أقل مما وعدنا به. لذلك يمتزج الحب دوما بشيء من خيبة الأمل، غير أن المعضلة تكمن في سقف الأمل نفسه والذي لا تزيده الجلسات الرومانسية إلا ارتفاعا.
لقد أدرك الفلاسفة على الدوام بأن الأمل تجربة مؤلمة، حزينة، شقية، بل مجرد شر من بين الشرور (سبينوزا، نيتشه، سبونفيل، إلخ). لذلك ما أن يأتي الأمل حتى تأتي معه رائحة الحزن الكريهة، وهو ما يفسر وخز الألم الذي يصحب نبضات الحب.
أعتقد أن القدرة على الحب لا تظهر إلا بقدر ما يخفت الأمل. بل ليس خافيا أن الأمل الكبير قد لا ينتج إلا العنف الكبير. العنف الفاشي هو ثمرة الأمل في أن عظمة الأمة ستتحقق غدا، العنف الثوري هو ثمرة الأمل في أن الجنة على الأرض ستكون غدا، العنف العدمي هو ثمرة خيبة الأمل في الغد المشرق، بمعنى أن هناك أملا في البدء هو أصل الداء والبلاء.
غير أن الحب هو سليل انعدام الأمل، لذلك ما أن نورطه في لعبة الأمل حتى يخيب ظننا فيه، ذلك أنه متصالح مع طبيعته الأصلية. الحب بطبعه لا يبنى على أي أمل.
كم هي عظيمة السيدة فيروز وهي تصدح بصوتها الملائكي في إحدى أروع روائعها: أهواك بلا أمل، وعيونك تبسم لي، وورودك تغريني بشهيات القُبل… أحببت بلا أمل.
ذلك هو الحب لمن لا يعرفه.
إن ما ينفث الحزن في الحب ليس انعدام الأمل بل الأمل، وإن ما يجعل العشق الصوفي يدوم ليس امتلاك اليقين بل افتقاده، وقد كان أحد العارفين يدعو الله قائلا، اللهم زدني حيرة فيك !
ثالثا، لحظة الخوف من الفقدان :
“قد يأخذه مني شخص آخر”، “قد تسرقه الموت”، “قد يهاجر إلى مكان بعيد”، “قد يمحي الحب من قلبه”، “قد يهجرني”، “قد ينساني”، إلى آخر المخاوف التي تلازم تجربة الحب وتحولها من تجربة ممتعة إلى تجربة حزينة مليئة بالغيرة والتسلط والعنف والخوف والشقاء.
وما أكثر العاشقين والعاشقات الذين يقلبون الحب من تجربة ممتعة إلى تجربة مؤلمة بسب الخوف من الهجران أو النكران أو الفقدان.
يقول نزال قباني، الحب للشجعان.
تلك وجهة نظر الشاعر، لكن وجهة نظر الفيلسوف تتطلب إعادة الصياغة: ليست المعادلة أن الشجاعة تمنحك القدرة على الحب، بل المعادلة أن الحب هو الذي يمنحك الشجاعة.
الذين يعتقدون أن الحب يُسبب الضعف والوهن للأمة، أو يلهيها عن ذكر الله، ولا ينبغي بالتالي التعويل عليه، يفتقدون إلى الشجاعة مهما بدت عليهم الشراسة، ولقد شاهدتُ أسراهم في عشرات الفيديوهات من سورية والعراق، يرتجفون من شدة الخوف مثل الدجاج المبلل. ربما كانوا شرسين جدا لكنهم لم يكونوا شجعانا أبدا، كان ينقصهم الحب.
هكذا يقول سبونفيل :
إن التعريف الأكثر دقة للاكتئاب هو فقدان القدرة على الحب.
وهكذا أقول لك :
فقدان القدرة على الحب هو أسوأ ما قد يحدث لك.
وحده الحب يمنحك شجاعة العيش مهما ضعفت قدراتك.
وحده الحب يمنحك القدرة على الحياة مهما ساءت أقدارك.
لا يحتاج الحب إلى الأمل، لأنه هو الأمل.. بل الأمل الوحيد.
وبهذا القول أختم بلاغاتي.
فهل كنتَ تسمعني؟



