سعيد ناشيد يكتب : أسباب التوتر عند البشر …

أسباب التوتر هي نفسها عند جميع البشر أينما كانوا وكيفما كانوا : الألم الجسدي أو النفسي، تدهور الصحة الجسدية أو النفسية، فقدان الأهل، هجران الأحبة، الندم على الفرص الضائعة، الخوف على مستقبل الأبناء، الملل الذي قد يقود إلى اقتراف أسوأ الشرور، الجشع الذي يقود الكثيرين يوميا إلى السجن، الانكسار العاطفي الذي لم ينج منه أحد، الخوف من سماع خبر سيئ في أي لحظة، إلخ. إذا كانت عوامل التوتر هي نفسها لدى الجميع، فإن حدة الاستجابة للتوتر تختلف من شخص لآخر. هنا يكمن الرهان الممكن.
يفترض أن الفوارق في حدة التوتر تحددها الجينات بدرجة أولى، ونسبة أخرى تحددها عوامل التربية والوضع الاجتماعي. وإذا كانت عوامل الجينات غالبة كما يقال، وعوامل التنشئة الاجتماعية تغلب عليها مصادفات الحياة كما يبدو، فإن سؤالًا أساسيا يفرض نفسه في الحالتين، ماذا عن تعساء الحظ جينيا واجتماعيا!؟ ماذا عن الذين لم يرثوا جينات السعادة، ولم ينشأوا في عوائل سعيدة؟ ماذا عن غير المحظوظين بيولوجيا أو اجتماعيا؟ هل محكوم عليهم بالشقاء الحتمي؟ وإذا كان الأمر كذلك فأين يكمن الدور العلاجي للفلسفة؟
ليس هناك الكثير مما يمكن فعله لكي يكتسب شخص ضعيف البنية بنية قوية، لكن إن كان الهدف أن ينتصر في أي قتال جسدي فهنا يمكن فعل الكثير، بل هنا يكمن أساس فنون البودو، فنون القتال اليابانية. علما بأن اليابانيين أنفسهم لا يمتلكون بنيات قوية، ولذلك طوروا المهارات القتالية المرنة أكثر من غيرهم. على المنوال نفسه يمكن أن تتطور مهارات الفرح لدى الشعوب الأقل سعادة جينيا، كما يمكن للأشخاص الأقل حظا من السعادة أن يطوروا مهارات تعوض نقصهم الجيني.
أول ما يخطر ببالك في لحظات التوتر هو أن تحاول أن تمسح عقلك من كل شيء، طالما الجحيم مشتعل داخل رأسك، إلا أن النسيان طريق مسدود، قد يقودك إلى أقرب حانة، أو إلى استعمال المنومات، أو المخدرات، أو اللجوء إلى أي شكل من أشكال التخدير الثقافي، وقد تبرر ذلك كله مرددا العبارة الشهيرة، أريد أن أنسى.
– تنسى ماذا؟
– المشكلة.
معناه أنك لا تبحث عن الحل، بل نسيان المشكلة.
معناه أنك لا تريد إخراج ذاتك من الجحيم، بل تريد إخراج الجحيم من ذاتك.
فعلا، لديك الحق، ليس الأسوأ هو أن يكون الإنسان داخل الجحيم، بل الأسوأ هو أن يكون الجحيم داخل رأس الإنسان. وبالتالي ليست الأولية هي إخراج الذات من الجحيم، بل إخراج الجحيم من الذات. لكن هل هناك وسيلة لذلك؟
كثير مما يحدث في عقل الإنسان هو أكثر إيلاما مما يحدث في الواقع نفسه، لذلك لجأ الإنسان العاقل منذ آلاف السنين إلى تجريب كل أنواع التخدير العقلي، من الخمور المصنوعة من الأرز والقمح والعنب، إلى المخدرات المستخرجة من الأعشاب السامة التي تجود بها الطبيعة، من قبيل أعشاب الخشخاش، والكافور، والكوكا، والبلادونا، والقنب الهندي، إلخ. في المجتمعات الصناعة الحديثة يلجأ أبناء “البروليتاريا الرثة” إلى أكثر الوسائل رخصا وبؤسا أملا في إخراج الجحيم من الرأس.
لكن الأمر يبدو كمن يحاول أن يعالج التهاب المفاصل عن طريق الحرارة، إن كان يشعر في البداية بقدر من الراحة، فسرعان ما يتفاقم الالتهاب بفعل الحرارة ذاتها. لقد كان الشعور بالراحة مخادعا إذا.
قالها سبينوزا، الفرح إما أن يكون حقيقيا وبالتالي دائما، أو يكون زائفا وبالتالي زائلا. الفرح الحقيقي صادر عن إحساس صادق بنمو ملموس للذات، والفرح الزائف صادر عن إحساس كاذب بنمو خارق للذات. خداع الذات قد يحقق بعض النتائج لبعض الوقت لكنه يستنزف الذات بسرعة قياسية.
ليس أساس التوتر هو التفكير في المشكلة، بل أساس التوتر هو التفكير في المشكلة بطريقة خاطئة، وعوض تغيير أسلوب التفكير يتم الذهاب إلى الخيار الأسهل والأسوأ: الهروب من التفكير.
حين تشعر بأن أصل المشكلة يوجد داخل رأسك فإنك بذلك النحو تكون قد أدركتَ نصف الحقيقة، لكن جهلك بالباقي قد يدفعك إلى الحلول الخاطئة، لا سيما حين تريد أن تمسح ذهنك من كل شيء، وهو ما لا يتيحه الدماغ البشري.
إن تغيير أسلوب التفكير هو المطلوب لإخراج الجحيم من الذات، وبالتالي التقليص من أحد أهم عوامل الشقاء البشري : التفكير الخاطئ في مشكلات الحياة.
المشكلة الحقيقية تتعلق بأسلوب التفكير في المشكلة.
لذلك، لا يكفي أن تستعمل عقلك كما يوصيك كانط، بل ينبغي أن تكون لديك المرونة الكافية أثناء استعمال عقلك، لأن أكثر ما تحتاج إليه هو القدرة على تعديل طريقة التفكير في الوقت المناسب وتبعا للوضعية المناسبة. على أن تعديل طريقة التفكير لا يعني التخلي عن الرأي أو عدم الثبات على الموقف، بل العكس تماما، لا توجد أي عقيدة سواء دينية أم وضعية، يمكنها أن تستمر إذا لم يكن أتباعها قادرين على تعديل طريقة تفكيرهم تبعا لمختلف الوضعيات المستجدة.
إن الاعتقاد بأن التمسّك بطريقة التفكير هو من صميم التمسك بالمبدأ، هو الخطأ القاتل للأيديولوجيات الشمولية كلها، والتي لم تنفعها قوتها لأجل البقاء.
أما في المستوى الفردي فتدل القدرة على تعديل طريقة التفكير على صحة العقل وذكائه، وهي الوسيلة الفضلى لأجل خفض منسوب التوتر والشقاء.
مثلا..
كلما فكرت في فلذة كبدك إلّا وخطر ببالك أنها قد تتعرض لأي نوع من الاعتداء في أي لحظة، كلما فكرت في والدتك إلا وخطر ببالك أنها قد تموت في أي لحظة، كلما فكرت في نصفك الثاني إلا وخطر ببالك أنه قد يتخلى عنك في أي لحظة، كلما رن هاتفك إلا وخطر ببالك أنك قد تسمع خبرا سيئا في أي لحظة، إلخ. بسبب ذلك النوع من الأفكار تشعر دوما بالتوتر والغضب والشقاء حتى وإن كان الواقع حولك هادئ، وفي النهاية ستجد نفسك أمام خيارين: إما أن تحاول عدم التفكير في أي شيء، أو تعيد النظر في طريقة تفكيرك في الأشياء.
الخيار الثاني هو الخيار الممكن.
لأجل ذلك تحتاج إلى المرونة، والمرونة نتاج تمارين.
تمرن على خفض التوتر من خلال تعديل طريقة تفكيرك، يمكنك أن تحاول، ومع مرور الوقت سيسهل عليك ذلك، وذلك حتى لا يأتي يوم تقول فيه : لقد كانت حياتي مليئة بالمصائب التي لم تحدث !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock