ماجد كيالي يكتب : تفاصيل ما قام به بريغوجين بصانعه بوتين !

جاء التمرد المفاجئ والصاخب ليفغيني بريغوجين، زعيم شركة “فاغنر” العسكرية للمرتزقة الروس، على قيادة الجيش الروسي، وعلى طريقتها في إدارة الحرب في أوكرانيا، كأحد أهم التداعيات العكسية الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي سيكون له، على الأرجح، ما بعده لاحقاً.

وتأتي أهمية هذا التطور الذي حبس أنفاس العالم على امتداد 24 ساعة، من واقع العلاقة الوثيقة والقديمة التي ربطت بريغوجين بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي أنشأ تلك الشركة للعمل كذراع طويلة لروسيا في الخارج، بصورة غير رسمية، ما يجنّبها أي مسؤولية، إزاء القانون الدولي، وهو ما تفعله في سوريا وفي أكثر من بلد أفريقي.

على أي حال، فقد أكّد الرئيس الروسي ذلك في خطابه، بعد إنهاء التمرّد (27/6)، بأنّ كل تمويل تلك الشركة، وكل الأسلحة والذخيرة والمعدّات التي تمتلكها، تأتي من وزارة الدفاع الروسية، بدلالة انخراط تلك الشركة في حرب أوكرانيا، من موقع متقدّم، والسماح لها بتنسيب متطوعين؛ حتى من المساجين، لارتكابهم جرائم جنائية في مجتمعاتهم؛ إضافة إلى السماح لبريغوجين بانتقاد قيادة الجيش في ظلّ الحرب، منذ أشهر، من دون أي كابح له.

بيد أنّ أهم ما لفت الانتباه في ذلك الحدث المفاجئ هو تلك التصريحات القاسية، والمباشرة التي أدلى بها بريغوجين إبّان تمرّده (24/6)، والتي قوّض فيها جملة الادّعاءات التي برّرت فيها روسيا غزو أوكرانيا، كـ “القضاء على النازية، الذي منح أوكرانيا الشرعية، وجعلها دولةً معروفةً في كل أنحاء العالم”، وبدل “نزع سلاحها… قمنا بتسليحها. أصبحت الآن تمتلك أحد أقوى الجيوش… نحن لا نقوم بأي شيء بطريقة صحيحة”. لكن أهم ما جاء في كلامه، هو نفيه ادّعاء أنّ حلف “ناتو” كان يستعد دخول أوكرانيا، وأنّ الغزو أتى لصدّ ذلك، باعتبار ذلك مجرّد خدعة، فبركتها قيادة الجيش، وانطلت على الرئيس الروسي.

في ما يخصّ بريغوجين، وأياً كانت دوافعه، سياسية أو مالية، وسواء كانت حركته خاصة، أم مرتبطة بأوساط روسية أخرى، عسكرية أو اقتصادية أو سياسية، فإنّ طريقة التعامل معه، تؤكّد أنّ السلطة في روسيا، والرئيس بوتين شخصياً، تحسب له جيداً، فمن خائن وخارج عن القانون، وتجب محاكمته ومعاقبته، إلى رجل بات يحظى بحماية او باحتضان الرئيس البيلاروسي، الأكثر قرباً للرئيس بوتين، وهو وشركته العسكرية الخاصة.

إلى ذلك، فإن أسهل وأسخف شيء، اعتبار ما جرى مؤامرة خارجية، واعتبار بريغوجين مجرّد عميل، فهكذا تعمل أنظمة التسلّط والفساد، في سعيها إلى إنكار الواقع، وحجب مسؤوليتها عن العطب الداخلي. فهل كان بريغوجين عميلاً وهو شريك بوتين في إنشاء “فاغنر” وما تفعله في ليبيا والسودان ومالي وأفريقيا الوسطى، وفي سوريا؟ أم وهو في مقدّمة الجيش الروسي في قتال الأوكرانيين؟ أم عندما تراجع عن مسيرته إلى موسكو، ثم قبوله بالمغادرة إلى بيلاروسيا؟ ثم هل ما فعله غورباتشوف نتاج مؤامرة خارجية حين فكّك الاتحاد السوفياتي السابق (1990)؟ وهذا ينطبق على غيره كخروتشوف وستالين ويلتسين وصولا إلى بوتين؟

في الواقع، فإنّ ما حصل كشف العطب والوهن في النظام السياسي السائد في روسيا، وفي طريقة إدارة بوتين السلطة، منذ صعد إلى الحكم قبل 23 عاماً، وذلك من نواحٍ عدة، أهمها: أولاً، افتقاد النظام السياسي الروسي المرونة، والحيوية، فهو نظام صلب، ومتكلّس، وخيطي، أي يفتقد الهيكلية الهرمية، المتسلسلة، التي تجعل السلطة أمراً تشاركياً مع آخرين، وهذا لا يتعلّق بطلب الديموقراطية، فقط، فحتى الدول غير الديموقراطية لديها آلية لإدارة الحكم، تجعل من قاعدة اتخاذ القرارات أوسع، وأكثر مرونة، وسلاسة، وتتيح مجالاً لعرض خيارات أخرى، ولرأي آخر، غير ما يدور في رأس الحاكم.

ثانياً، غياب مؤسسات صنع القرار وآلياته، فمجلس “الدوما”، لا يملك سلطة تشريعية حقيقية، وإنما هو يشرعن سياسات الرئيس وقراراته، بغض النظر عن صدقية تمثيله الشعب الروسي ومصالحه، كما لا توجد سلطة قضائية حقيقية، أي إنّ النظام السياسي في روسيا لا يشتغل وفق قاعدة الفصل بين السلطات، ولا وفق قواعد مؤسسية.

ثالثاً، يعيش الرئيس بوتين في عزلة، فهو يخاطب قادة دولته، السياسيين والعسكريين والاقتصاديين، في أغلب الأوقات، عبر شاشة، أو عبر مسافة طويلة، وبطريقة فوقية، وإملائية، ما يُضعف التفاعل والثقة المتبادلة. وأيضاً، ثمة عزلة دولية تحيط بالرئيس الروسي، فُرضت منذ ضمّ شبه جزيرة القرم، وضمّ أجزاءً من أوكرانيا (2014)، وقد تفاقمت أكثر منذ غزوه أوكرانيا مجدّداً (شباط/فبراير 2022). والأهم أنّ روسيا كلها تعيش حالة عزلة تقريباً، إذ لم يؤيّد غزوها أوكرانيا سوى بضعة دول هي: بيلاروسيا وسوريا وكوريا الشمالية واريتريا، أي حتى دول “بريكس”، وحتى هنغاريا، نأت بنفسها عن دعمه.

في السياق نفسه، نلاحظ أنّ الرئيس بوتين، وبعد تمرّد صنيعه (بريغوجين) عليه، فضّل إحاطة نفسه بكتيبة “شيشان”، لحمايته، بدل أن يحتمي بوحدات من الجيش الروسي، ما يثير التساؤل، والتخيّل، علماً أنّه كان شنّ حرباً على الشيشان أواخر التسعينات، ودمّر عاصمتهم غروزني بالمدفعية، حتى ولو كانت كتيبة الحماية من المتعاونين معه إبّان دكّه عاصمتهم، فمن يضمن أنّ هؤلاء الذين اذلّهم وقوّض طموحهم إلى الاستقلال سيكونون أوفياء له؟!

اللافت أن الحملات الدعائية المؤيّدة لروسيا، في غزوها أوكرانيا، تروج لفكرة مفادها أنّ الجيش الروسي لا يُقهر، وأنّ روسيا لم تخسر حرباً في تاريخها، في حين يفيد التاريخ بغير ذلك، إذ هُزمت روسيا أمام دولة أصغر منها هي اليابان (1904-1905)، ما أدّى إلى اندلاع الثورة الروسية الأولى (1905)، التي مهّدت لثورة تشرين الاأول (أكتوبر)، وانهيار القيصرية (1917)، وذلك بعد هزائم الجيش الروسي في الحرب العالمية الأولى، ما نجم عنه قيام الاتحاد السوفياتي، كإمبراطورية بمضمون مختلف. بعد ذلك أدّت هزيمة الجيش السوفياتي في أفغانستان (1989)، بين عوامل أخرى، إلى تفكّك وانهيار الاتحاد السوفياتي كإمبراطورية (1990)، من دون حرب، بسبب اهترائه، وخسارته المباراة مع الغرب في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية وإدارة المجتمع وشكل النظام السياسي.

هكذا، فبعد غزو أوكرانيا، المتعثر، يقف مصير روسيا، كإمبراطورية، وكدولة، وكنظام سياسي، في مفترق طرق، وهذا ما كشفته حركة بريغوجين الهوجاء، كما كشفه صمود الجيش الأوكراني الصغير أمام الجيش الروسي الكبير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock