حسن نجمي يكتب : سعدي يوسف سيبقى .. و الذين نحبهم لا نضعهم بين “ظفرين” !

ينتمي لجيل شعري قيل عنه فى العراق (الجيل الضائع)، الجيل الذي عايش الجواهري والسياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري والبياتي وورث مصائرهم ومساراتهم فى الاعتقال والمنفى والاغتراب داخل الوطن وخارجه، لكنه لم يرث اقتناعاتهم في الكتابة والثقافة ، ولم يرث بالتبعية ألقابهم فى الريادة والتجديد.

ولد ببلدة (أبي الخصيب) بالبصرة جنوب العراق عام 1934، وتخرج فى دار المعلمين العليا فى بداية الستينيات، وعمل بالتدريس والصحافة ليضطر بعد ذلك لترك العراق نظرًا لمواقفه السياسية والحزبية مما تعاقب على العراق من أنظمة سياسية.

تنقل فى بداية الأمر بين عدة مدن عربية وأوروبية ليستقر به المقام فى لندن التي عاش بها سنواته الثلاثين الأخيرة. ورحل بها في مثل هذا اليوم من عام 2021 تاركًا خلفه غبارًا كثيفًا لم يهدأ دخانه حتى هذه اللحظة .. فهناك من يرى أننا أمام شاعر ومثقف ومترجم ضخم ترك منتجًا إبداعيًا كبيرًا ومتنوعًا ونوعيًا توزع بين الشعر والترجمة والرواية والقصة والنقد والكتب الفكرية، وهناك من يرى أننا أمام متمرد تاريخي سخر من نفسه ومن الجميع، وانقلب على ذاته عشرات المرات، وملأ السبعة والثمانين عامًا التي عاشها صخبًا وجدلًا حتى إنه لم يترك فرصة لمُنتَجه الإبداعي أن يُرى تحت هذا الركام الهائل من العداوة والخصومات الفكرية والسياسية.

حول “الشيوعي الأخير” أو “الأخضر بن يوسف..” كما كان يحلو لسعدي يوسف أن يطلق على نفسه أو يُلقَّب، كانت هذه الدردشة مع الشاعر والكاتب الصحفي المغربي الكبير حسن نجمي الذي طرحنا عليه هذه التساؤلات بمناسبة مرور عامين على رحيل سعدي يوسف .

1. سامح محجوب : كمعظم شعراء العراق عانى سعدي من الإبعاد القسري عن وطنه مثلما عانى من العصف الإثني والأيديولوجي مما ورطه مرات عديدة فى كثير من المواقف والآراء. فما نصيب الفني والأيدلوجي فى تجربة سعدي ؟!

-حسن نجمي: إذا أزحتُ قليلا أطروحةَ رولان بارت الشهيرة عن الكتابة البيضاء، أي الكتابة الأدبية الصافية، الخالية من أي ظل إيديولوجي (وهل ذلك ممكن؟)، أظن أن الشحنة الإنسانية وفيض التجربة الشخصية كانا أكثر حضورًا ووطأةً في شعر سعدي يوسف. وليس سعدي من يمكن لناقد أن يعلّمه الحدود والتخوم بين الشعري والإيديولوجي وربما السياسي أيضا. لقد كان يدرك قيمة النص الشعري البلّوْري الخالص، مثلما كان مدركًا تمامًا لمعنى أن ينخرط في تاريخه، ويتشابك مع أحداث بلاده وشعبه. وهناك تجارب شعرية كونية عرفها سعدي أكثر من غيره، وترجم بعضها إلى العربية مَثّلَتْ نماذج ناجحة لجدلية الشعري والسياسي. أفكر هنا في ريتسوس، في أونغاريتي مثلا، وحتى في والت ويتمن الذي تخترق كتابتَه الشعريةَ حساسيةُ الموقف السياسي العميق.

هذه مناسبة لألح على ضرورة الفصل المنهجي والإجرائي بين تقييم الموقف السياسي وقراءة الكتابة الشعرية. بمعنى أن على الذين لم يوافقوا على بعض آراء ومواقف وغضبات سعدي السياسية، ألا يتخذوا من خلافهم معه خلافًا مع قيمته كشاعر عراقي عربي كبير.

2. والآن ،وبعد عامين من رحيله فى مثل هذا اليوم، ماذا تبقّى من سعدي : الشاعر أم المثقف المتناقض الحاد اللاذع أم الإنسان المثير للجدل ؟

– في نظري، سيبقى من سعدي يوسف الكثير من شعره، ومن أثره، وبالخصوص لمستَه الخاصة في الكتابة الشعرية العربية. كانت له لغة شعرية لاتعثر عليها لدى غيره. لقد استفاد من النظر الماركسي إلى اللغة، فكان له تعامل مادي معها، مع “اللغة المادية” كما وصفها مرة، والتي استعملها مادة للكتابة.

كانت لسعدي نمذجته الأسلوبية الخاصة، ولكَمْ تعلم منها الكثير من الشعراء من مختلف الأجيال، فقد تخلى تماما عن النعت، وعن الحال، واستعمل أساسا الاسم الجامد والفعل. وبدلا من النعت كان يستعمل الاسم صفةً (بدلا من : المرأة الذهبية – مثلا- يستعمل المرأة الذهب). ونعرف أيضا استعماله المكثف لتقنية التنقيط دليلا على الصمت والغياب والحذف وتفادي الرقباء. وهناك أبعاد وتقنيات أخرى في كتابة سعدي يوسف : حضور اليومي العميق في شعره، كثافة المكان في قصيدته… إلخ.

ويبقى من سعدي أيضًا تاريخ نضاله ومحنه واختبارات حريته، وعناده وعدم استسلامه، ونزاهة موقفه، ورؤيته النفَّاذة.

سعدي سيبقى، هو وقلة من الشعراء العرب في ذاكرتنا الشعرية، وفي التاريخ الأدبي العربي الحي.

3. لسعدي نشاط واسع كمترجم .. كيف ترى تجربته فى الترجمة ؟

– كان الشاعر سعدي يوسف كبيرا في كتابة الشعر، وبالأخص في ترجمة الشعر الإنساني إلى العربية. لم يكن ينقل الشعر العالمي حرفيا، وإنما كان يوطِّن الشعر الذي يترجمه في روح اللغة العربية.كان يضمن للشاعر الذي يترجمه نوعًا من التبيئة وحسن الجوار. وبفضله عرفت الأجيال الشعرية الجديدة كافافي وريتسوس وأونغاريتي على سبيل المثال. باختصار، كان يمكنك أن تقرأ سعدي وتتلذذ في شعره بخمرة الكون، مثلما تجد فيه ظلالا من الذين كان يحبهم، منذ امرئ القيس والمتنبي، إلى محمد المهدي الجواهري وسركون بولص، ومحمود درويش، بل هادي العلوي، وكارل ماركس على سبيل المثال، وليس ذلك بمعنى المحاكاة أو الاستنساخ أو ماشابه، وإنما من باب أن الذين نحبهم لانضعهم “بين ظفرين” .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock