
عادل بنحمزة يكتب : قيادة ديغول لانتفاضة 1968 و روح باريس التي تقاوم النسيان
يعرف الرئيس الأميركي الأسبق هاري ترومان، القيادة بقول : “القيادة هي القدرة على ترغيب الرجال بالقيام بما لا يرغبون القيام به”، بينما يرى الجنرال الأميركي عمر برادلي أن القيادة هي “فن التأثير في السلوك البشري من خلال القدرة على التأثير في الناس بشكل مباشر ودفعهم للعمل على هدف ما”. وهو يتفق مع رأي كل من (كونتز وأودنل) Contez & ODNEL القائل إن “القيادة هي القدرة على إحداث تأثير في الأشخاص عن طريق الاتصال بهم وتوجيههم نحو تحقيق الأهداف”، وآرثر ويمر ARTHUR WEMER الذي أكد أن “القيادة هي القدرة على التأثير في الآخرين” وهو رأي هايمان وهيلغرت نفسه… أي “القدرة التي يمتلكها الفرد في التأثير على أفكار الآخرين واتجاهاتهم وسلوكهم”.
بينما يرى بيترف دراكر PETERF. DRUCKER أن القيادة هي “الارتفاع ببصيرة الإنسان إلى نظرات أعمق، والارتفاع بمستوى أدائه إلى أعلى المستويات”. أما آرثر جاغو فيري، فيقول إن القيادة “عملية ومَلَكة في الوقت عينه. فالقيادة كعملية هي استخدام التأثير غير الملزم في توجيه وتنسيق أنشطة الأفراد في جماعة ما لتحقيق أهداف محددة… والقيادة كملكة، هي سمة يتمتع بها الأشخاص الذين ينجحون بتوظيف هذا التأثير”، أي التمييز بين القيادة كنشاط والقيادة كسمة شخصية لدى الفرد، كأن نقول إن شخصاً له ميول قيادية.
بحسب التعرفات السابقة نرى أن القيادة تتحقق بالقدرة على التأثير، وهذه القدرة ترتبط بالتاريخ الشخصي للقائد وتوازنه النفسي والعاطفي، إذ غالباً ما تؤثر هذه الجوانب في عملية اتخاذ القرار سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، والقيادة عند رجل السياسة ليست دائماً مهمة رسولية تتسم بالتضحية ونكران الذات، بل هي قد تشكل طموحاً شخصياً أو في حالات، استجابة لواجب وطني يقتضي الوصول إلى السلطة، سواء من طريق الانتخابات وصناديق الاقتراع، أو من طريق الانقلاب أو الثورة، فالسياسة كما يقول الكاردينال دو ريتز “هي فن جني الشرف من الضرورة…”. انتظام المجتمع في إطار الدولة ومؤسساتها وتحت قيادة معينة هو شكل التنظيم السياسي الذي ارتضته المجتمعات الإنسانية المختلفة منذ عصور وهذا الشكل يمثل ضرورة لا يمكن تجاوزها رغم المخاطر التي تهدد مفهوم الدولة في المرحلة المعاصرة، كما أن الحاجة إلى القادة، أمر ثابت منذ زمان وعبر كل الحقب التاريخية التي طبعت الإنسانية، وفي ذلك يقول “راسل” إن “معظم الناس يشعرون أن السياسة قضية صعبة وأنه من الأفضل لهم أن يتبعوا قائداً، إنهم يشعرون بذلك غريزياً ومن دون وعي…”.
ما زالت أحداث أيار (مايو) 1968 في فرنسا تعتبر ملهمة لعدد كبير من التمردات عبر العالم، لكنها في الوقت نفسه تقدم صورة عن قائد استثنائي اسمه شارل ديغول.
بدأت الأحداث باضرابات عمالية استمرت منذ نهاية 1967 وبداية 1968، ففي 15 أيار (مايو) 1968 دخلت النقابات العمالية في إضراب عام شلّ فرنسا تضامناً مع الحركة الطلابية. ووجه الإضراب بحزم وعنف من قبل أجهزة الدولة، ذلك أن الحركة العمالية والحركة الطلابية، كانتا تعملان بمنطق الباب الدوار، فقد تناوبا على قيادة الأحداث، فكلما اعتقد أرباب العمل والأجهزة الحكومية أن الطبقة العمالية قد تم إخضاعها، دخل على الخط طلبة الجامعات الذين كانوا ينطلقون من منطلقات إيديولوجية وسياسية أممية تتناقض مع فرنسا الديغولية وترفع شعارات ومطالب تتجاوز حدود صانع القرار السياسي الفرنسي.
لم تنجح وصفة القمع مع الطلبة وأدى إغلاق جامعة باريس في الثالث من آذار (مارس) من ذلك العام، إلى تأجيج الحركة الاحتجاجية التي تميزت بلجوء الطلبة إلى العنف في مواجهة قوات الأمن من خلال نصب المتاريس ليلة التاسع والعاشر من أيار (مايو) 1968، وتم احتلال الحي اللاتيني حيث استعملت زجاجات المولوتوف، وبذلك أصبحت الحركة الطالبية في طليعة الحركة الاحتجاجية وعملياً قائدتها.
فرضت أساليب الطلاب على قوات الأمن اللجوء إلى أقسى أشكال القمع، هذا القمع ولد تعاظم التضامن والتعاطف مع الحركة الطلابية، حيث قررت النقابات العمالية الدخول في إضرابات، تحولت إلى إضرابات لا محدودة وتنظيم تظاهرات ومسيرات يومية، حيث فقدت القيادات النقابية سلطتها على قواعدها، وبذلك دخلت فرنسا حالة من العصيان المدني تطورت ككرة ثلج، وبدأت سلطة الدولة تتهاوى إذ أصبحت كل القرارات التي تخص تموين باريس مثلاً، بيد القيادات العمالية، بل سيطرت حركة العمال والطلبة على مدينة نانت بكاملها…
كانت فرنسا تسير إلى نقطة اللاعودة لولا وجود قائد بحكمة ودهاء وخبرة ديغول الذي دعا إلى انتخابات برلمانية ووقف الأحداث.
كان ديغول رجل دولة كبيراً يملك كاريزما قوية وإحتراماً وسط الفرنسيين على إختلاف توجهاتهم بالنظر إلى دوره الوطني في تحرير فرنسا من النازية، فقد إستطاع بخبرته وحكمته أن يمتص تداعيات أقوى حركة إجتماعية وسياسية شهدتها فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية.
اليوم توجد مفاتيح الحكم بيد واحد من أضعف الرؤساء الفرنسيين، ويشاء حظه العاثر أن يتزامن وجوده في قصر الإليزيه مع تحولات جيواسترتيجية عميقة حول العالم، كما أن وصول الرئيس ذاته إلى الإليزيه في دورتين، يعتبر وحده أحد التعبيرات الصارخة لأزمة السياسة والحزبية في فرنسا.
أحداث أيار (مايو) 1968 تذكرنا أن ديغول كان رجلاً عظيماً في تاريخ فرنسا، حيث لا يمكن أن تذكر الدولة من دون الحديث عنه، لقد إستطاع الرجل أن يتجاوز ربيع باريس سنة 1968 بخبرته وتجربته الكبيرتين، وفاز بالانتخابات النيابية التي أعقبت ذلك الربيع، في وقت كان الجميع يعتقد أن الحزب الشيوعي الفرنسي سيستثمر تلك الأحداث لفائدته.
في سنة 1969 دعا ديغول الشعب الفرنسي لاستفتاء سعى من ورائه إلى إدخال تعديلات تهم عدداً من المجالات الحيوية، وربط إستمراره في رئاسة الجمهورية بنتيجة التصويت. الفرنسيون كانوا يقدرون ديغول بلا شك، لكن جزءاً كبيراً منهم لم ترقه تلك الإصلاحات، فجاءت نتيجة التصويت بـ”لا” بنسبة 52 في المئة، فما كان من الكبير ديغول سوى أن سارع لإعلان إستقالته من سطرين أمام ذهول الجميع “أعلن توقفي عن ممارسة مهامي رئيساً للجمهورية. يصبح هذا القرار نافذاً ظهر اليوم 29 نيسان (أبريل) 1969”. بعدها بسنة فقط غادر ديغول الحياة إلى الأبد تاركا وصية هي الأخرى من سطرين، حيث طلب في الأول ألا يحضر جنازته رؤساء أو وزراء، وطلب في الثاني ألا يكتب على قبره سوى “شارل ديغول 1890- 1970”.
عاش ديغول ومات قائداً عظيماً، بينما آخرون لا يعرفون سبيلاً للنهايات الجميلة…



