سعيد ناشيد يكتب : الخطاب الديني بين أخلاق السادة و أخلاق العبيد

يرى بعضنا أن مفهوم “الإنسان المتدين” يتجلى في الحياة اليومية بأشكال عديدة، لكنه يكاد يكون مرادفا للإنسان الكاره للحياة، والعاشق للموت، خصوصًا مع تعلق إنساننا في المنطقة العربية بالآخرة بشدة على حساب الحياة الدنيا، والنظر إلى هذا التعلق بوصفه واحدًا من فضائلنا مقارنة بأوروبا والغرب عموما. كذلك، ترتبط بـ “الإنسان المتدين”، في الغالب الأعم، مجموعة أخرى من الصفات؛ الكآبة، الحزن، احتقار الجسد… إلخ. في حين يرى آخرون أن “الإنسان المتدين” مشبع بالطمأنينة، ومنزه عن المصالح الدنيوية، ولا يعمل إلا ابتغاء مرضاة الله. هل من الصعب تحقيق التصالح أو التوافق بين التديّن والحياة الطبيعية؟ (هيئة تحرير مجلة رواق ميسلون، العدد الأول، يناير 2021).

بعض الأوامر التي تسمى واجبات أخلاقية قد تكون مجرد تعبير عن دوافع غريزية تعكس علاقات القوة والهيمنة السائدة في المجتمع. مثلًا، تعود بعض جذور العفة إلى دوافع الهيمنة الذكورية، وتعود بعض جذور الغيرة إلى غرائز القطيع، وتعود بعض جذور الريع إلى غرائز الجشع، وتعود بعض جذور العنف المقدس بمختلف تجلياته إلى عقدة الذنب، إلخ. كما أن بعض القيم الأخلاقية من جهتها قد تساهم في الانحطاط الغريزي للإنسان، فقيم الاستبداد السياسي تنمي غريزة الخوف، وقيم الريع الاقتصادي تنمي غريزة الجشع، وقيم العنف الديني تنمي غريزة الكراهية، كما أن تصور وجود إله ينتقم من شأنه أن ينمي غرائز الثأر والانتقام لدى الناس، وهكذا دواليك. إن بطء التطور الغريزي للإنسان هو ما يفسر الانتكاسات العنيفة للحضارة المعاصرة. فلا يمكننا أن نفصل الهولوكوست عن الجحيم والمطهر في التراث المسيحي، ولا يمكننا أن نفصل الاستعمار عن اللاوعي التبشيري في المسيحية، وهكذا دواليك.

هنا تكون مقاربة نيتشه على قدر كبير من الأهمية لأجل فهم مشاكل الحضارة والإنسان، ويمكننا أن نعيد صياغتها، وذلك باستعمال مفاهيمه نفسها، بأسلوب مبسط، وهكذا يمكننا القول:

هناك نوعان من الأخلاق يقابلهما نوعان من الغرائز: أخلاق السادة من جهة أولى من قبيل الحرية، الجرأة، الوضوح، التحمل، النزاهة، الطموح، إلخ، وأخلاق العبيد من جهة ثانية من قبيل الطاعة، التبعية، التواكل، النفاق، الخنوع، إلخ؛ تقابلهما من جهة أولى غرائز الارتقاء التي تدفع الإنسان إلى النمو والتفوق من قبيل غرائز الحياة، الفرح، الحب، الإبداع، الاكتشاف، إلخ، ومن جهة ثانية غرائز الانحطاط التي تضعف قوة الحياة لدى الإنسان، من قبيل غرائز الخوف، الكراهية، الذنب، التأثيم، التذمر، السخط، إلخ.

يمتلك جدل الغرائز والقيم نتائج حاسمة على مصائر الحضارة، سواء في أبعادها المحلية أم في بعدها الكوني. ومن هنا يكون نيتشه ضروريا لفهم مشكلات الحضارة، وذلك بصرف النظر عن وجود منزلقات عدائية في بعض كتابته، والتي قد تشوش على حكمته البليغة.

السؤال الآن، ما نوع القيم، وبالتالي نوع الغرائز، التي ينميها الخطاب الديني الشائع عندنا في مجتمعاتنا المسلمة؟ قيم السادة أم قيم العبيد؟ وبالتالي غرائز الارتقاء أم غرائز الانحطاط؟

إذا كانت مشاعر الخوف والكراهية تندرج ضمن غرائز الانحطاط، طالما أنها تحرم الإنسان من إرادة النمو وقوة الفرح، مقابل مشاعر الحب التي تندرج ضمن غرائز السمو طالما تدفع الإنسان إلى النمو والفرح، فإن الخطاب الديني الشائع عندنا يجعل علاقتنا بالله قائمة على أساس الخوف بدل الحب، وذلك على خلاف التصوف النظري الذي حاول بناء علاقة الإنسان مع الله على قاعدة الحب والعشق والرحمة، غير أن أثره على الموروث الديني كان محدودًا مقارنة بالتراث الفقهي. هكذا انتصرت المقاربة التخويفية على المقاربة التحبيبية، انتصرت المقاربة التسلطية على المقاربة الإنسانية بلغة إريك فروم، انتصرت “عبادة العبيد” على “عبادة الأحرار” بعبارات علي بن أبي طالب، فأصبح المسلم محاصرًا بآليات الترهيب والوعيد في كل مناحي حياته، من المهد إلى ما بعد اللحد.

كما أن الخطاب الديني الشائع عندنا يجعل علاقتنا بالمختلف دينيا قائمة على أساس الكراهية والنفور، وذلك من خلال مفاهيم البراء، والنجاسة، والمغضوب عليهم والضالين في بعض التفاسير، وما إلى ذلك.

باستعمال مفاهيم سبينوزا – وهذا فيلسوف آخر يساعدنا في فهم مشكلات الحضارة-يمكننا أن نستخلص بأن الخطاب الديني الشائع عندنا اليوم في العالم الإسلامي ينمي انفعالات الحزن التي تضعف قدرة الإنسان على النمو والحياة، بدل انفعالات الفرح التي تتيح للإنسان فرصة أن ينمو ويسمو على الدوام. لذلك كله طبيعي أن ينتهي بنا المطاف إلى ظهور انتحاريين بلا قضية، عدا موعد في الجنة يمرّ عبر أسوأ أنواع الجحيم. شخصيا سمعت هذا الكلام من شاب مغربي نجا مع أصحابه بعد ارتدائهم الحزام الناسف بفارق دقائق معدودة، فقد قال لي: “قلت لإخواني قبيل ساعة الصفر: موعدنا في الجنة على الساعة العاشرة ليلا”. أبهذه الدرجة من التحديد؟ سألته. أجاب: “نعم، وبمطلق اليقين”. المهم لديهم هو اللقاء في الجنة! أما باقي الأسئلة حول المخطط الاستراتيجي، والتكتيك المرحلي، والأهداف القتالية؟ فذلك كله خارج التفكير طالما الحياة بلا قيمة، بلا معنى، بلا جدوى.

صحيح أن الأصوليات كافة تستطيع أن تنتقد الحضارة المعاصرة باعتبارها أول حضارة تجيب عن سؤال معنى الحياة، بعبارة “لا أدري”، طالما ليست وظيفة العلم الإجابة عن سؤال معنى الحياة؟ غير أن عبارة “لا شيء” هي الإجابة التي تقدمها تلك الأصوليات عن السؤال نفسه، طالما الخطاب الديني يجعل الآخرة هي الحياة الحقيقية! وفي النهاية فإن عبارة “لا أدري” تفتح باب التفكير، والتحاور، والرحمة، والمحبة، والإبداع، وعبارة “لا شيء” تفتح باب العدمية، والقسوة، وإنكار الحياة. وهذا واضح لكل من يراقب أحوال الناس بحس سليم.

العدمية عند نيتشه هي مجموع القيم التي تنتهي إلى تبخيس قيمة الحياة. معنى ذلك أن الثقافة السائدة عندنا تمثل نموذجا للعدمية في أوضح مظاهرها لأنها تنتهي إلى تبخيس الحياة وقيمة الحياة مقابل تعظيم ما بعد الحياة، وما بعد الممات.

لدينا خلاصة أساسية في الموضوع:

لا يمكننا أن نساهم في بناء الحضارة والعلم والعمران والتقنية والإنسان إذا كنا سنواصل الاعتقاد بأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة كما يتردّد في بعض الأحاديث المنسوبة إلى رسول الإسلام. هنا بالذات يكمن مغزى الإصلاح الديني الذي نحتاج إليه، وذلك حتى نلحق بركب الحضارة المعاصرة، ومن ثم نساهم فيها بوعي نقدي وحس إبداعي، بدل الصراخ والعويل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock