
عادل الزبيري يكتب : في وداع لمعلم
فقدت قرية إزلوكن، عند أسفل قمم سلسلة جبال الريف، على مرمى 57 كيلومترا من مدينة الحسيمة، شخصية من العائلة الكبيرة التي أنتمي إليها.
ترك الراحل صديقا عرفته صغيرا، ولكنه فجأة أصبح رجلا، يشتغل في قطاع التربية والتعليم، ويناقش قضايا الساعة، ويشارك قي المعارك النضالية، بينما لا زلت أتذكرني طفلا صغيرا مشاغبا مع جد الأستاذ، تنشب بينا معارك كلامية وهمية لتمضية الوقت، في قرية لا قيمة للزمن فيها، في نهايات القرن العشرين.
حمل هذا الفقيد العزيز، من عائلة بن شريف الكبيرة جدا، لقب المعلم، أي البناء الذي اشتد ساعده فتحول إلى متخصص في بدري الجدران باستقامة في منازل القرية، في تسعينيات القرن العشرين، لما هبت موجة بناء منازل جديدة وفق شروط عصرية، بحرارة ضخمة، يجري نقلها صوب أراضي بناء المنازل، مع لصقها بالاسمنت عوضا عن خلطة الطين والتراب والتبن.
في زياراتي الفضولية الطفولية اليومية، التقيت مرارا بالمعلم، لأنه ابن عم والدتي، كان من خيرة رجال القرية، رجل على خلق، انتشرت سمعته في القرى المجاورة، بإتقان عمله، وتواتر طلبات الخدمة في ترميم أو بناء منازل جديدة.
بنى والد العلم بيتا جديدا على ربوة تطل على القرية، بطريقة عصرية، وبحجارة بلون ترابي، فيرى الداخل إلى القرية منزلهم من كل اتجاه، فأعمام والدتي غادروا بيت جدهم في الباريو، لأن الأبناء كبروا، وأصبح منزلان تاريخيان ولو كبيران عاجزان عن احتواء الجميع، هبت رياح بناء المنازل المستقلة على قرية عاشت طويلا في حفاظ على تقاليد عريقة.
وكان فصل الصيف، يعرف حركية كبيرة في البناء في القرية، خصوصا مع عودة أبناء القرية من المهجر، من بلجيكا وهولندا وإسبانيا، وأيضا مع ظهور أثرياء جدد جمعوا ثرواتهم من القنب الهندي، الذي سجل انفجارا تاريخيا، في تسعينيات القرن الماضي في قريتنا.
في أحد مواسم الصيف، جاء المعلم إلى منزل جدي من والدي، من أجل القيام بأشغال ترميم وبناء، كان الرجل مركزا أكثر في عمله، قليل الكلام، فيدك الحجارة الضخمة بمهارة، من أجل أن تصبح قابلة لبناء الجدران، ويحرك العجين من اسمنت ورمل بمهارة، ويرمي المكونات في يوميات قائظة بهمة، مع الحفاظ على وضع شاشية تحولت من الصفرة إلى لون آجوري.
لا يتوقف المعلم عن العمل، إلا لتناول وجبة الغذاء أو لشرب شاي العشية، وفق طقوس محلية ريفية، مع خبز طازج مع زبدة جرى استخلاصها حديثا من حليب البقرة المنزلية.
في مصايفي في القرية، نزعت عني رخاوة المدينة، لألبس صلابة القرية، للقفز بين الأراضي القاسية، بحجارة مدببة، وصعوبة في إيجاد مكان وسط أقران أشداء، لا يعرفون للرحمة طريقا، يحرضون الكلاب، ويرمون بإتقان الكْنديل أي حجارة صغيرة تسبب أذية، ويضربون بعصي صيد من أعواد جرى تحويلها إلى أداة هجومية.
كان صيفا طويلا وقاسيا جدا، ولكنها كانت مدرسة لاشتداد العود، في قرية ترتفع فيها الحرارة، ويصدر الصرار صوته المزعج جدا، فتصبح مهام معلم البناء صعبة، ومع ذلك، نجح المعلم في بماء منزل عصري وجديد في مكان قصي من القرية، بعيدا عن التجمع التاريخي للدوار، على قارعة الطريق التي تؤدي إلى بلدة كبيرة جبلية اسمها تاركيست، ونفس الطريق تؤدي في الاتجاه الثاني إلى السوق الأسبوعي وإلى المدينة الحسيمة.
كان يردد سطان القرية أن المعلم قرر هجر القرية القديمة صوب الطرف الثاني، أي الحي الجديد في القرية، فترددت عبارة عيدوا، أي المعلم عبر الطريق إلى الجانب الثاني من جبلين اثنين شاهقين يضمان إليها بحب في كل ليلة الأزالكة، من أزلوك، أي سكان قرية إزلوكن.
يعتقد كثر أن العيش في المدينة ينسي الإنسان من أين جاء، أعتبر نفسي في المدينة بكل مغرياتها، ابنا للبادية، جاء والديه من قرية صغيرة اسمها إزلوكن، في قبيلة بني بوفراح، في إقليم الحسيمة، هذا النسب راسخ في القلب وفي العقل وفي الروح.
أتذكر بفخر ما كان يناديني به أترابي في مدينة طنجة، بالريفي، أي القادم من منطقة الريف الأمازيغي المغربي، وأتذكر بفخر أن أترابي في سوق البلدة يوم الخميس، كانوا يقولون لي أزلوك نسبة إلى قرية إزلوكن.



