
سعيد ناشيد يكتب : حتى لا نيأس أكثر من اللزوم …
لا شك في أن عوائق تحوّل “دولنا” إلى دول وطنية ديمقراطية حديثة عديدة، وفي المركز منها النظم الاستبدادية، لكن ألا ترى معي أن هناك عوائق ثقافية أشد ضراوة؟ فالملاحظ أنّ المفاهيم الأساسية التي تنتظم فكر ورؤى التيارات والقوى السياسية السائدة، الإسلامية والقومية واليسارية، هي مفاهيم قبلية احترابية الطابع؛ الغزو، الجهاد، الحرب، القتال، الفتنة، الخيانة، العمالة، التصنيف… إلخ، وهذه المفاهيم تساهم بقوة في صناعة التفكير وتوجيه السلوك. هنا يأتي السؤال الذي يشبه حديث “أيهما أولًا البيضة أم الدجاجة؟”؛ هل الأولوية للسياسة وإنهاء النظم الاستبدادية الحاكمة أم للثقافة والتنوير؟ هل هناك ضمانة لعدم وصول تيارات مضادة للديمقراطية والحداثة بعد إنهاء نظم الاستبداد؟ هل تكمن الجدوى في الذهاب في طريق التنوير والتثقيف أولًا؟ هل من الممكن أصلًا أن تتوافر مساحة للفعل التنويري في ظل نظم استبدادية؟ إنه سؤال الأولويات والجدوى، ما رأيك؟ (العدد الافتتاحي لمجلة رواق ميسلون، يناير 2021).
كنت ولا أزال أعتقد بأن العوائق الثقافية أشد أثرا وأكثر ضررا، وأن نهضة المجتمعات تحسمها الأفكار قبل الأحجار، وأن زلزالا ضعيفا قد يدمر البنايات الأكثر صلابة، لكنه لن يقدر على تدمير الأفكار الأكثر نعومة. لأجل ذلك استطاعت بعض المجتمعات البشرية أن تخرج من بعض الكوارث الطبيعية والإنسانية أكثر قدرة على معاودة البناء، بجودة أعلى، وعزيمة أكبر.
وإن كنت قد تحمست لما كان يسمى بالربيع العربي في عامه الأول، إبان ثورة الياسمين، واعتصام ميدان التحرير، وأطفال درعا، قبل أن ينقلب الربيع إلى زلزال من الفتن التي لا تبقي حجرًا على حجر، إلا أني أدركتُ مبكرًا مخاطر غرائز الانحطاط عندما تتغول، فتنفجر براكين الحقد الأصولي والطائفي والقبلي والعشائري في وجه التاريخ والجغرافية، وينجم عن الثورات جحيم من الفتن التي تحرق اليابس والأخضر. المعضلة ابتداء أننا لم نجب عن السؤال التاريخي: لماذا تاريخنا الهجري تاريخ فتن تتخللها فترات من الاستبداد، منذ موقعة الجمل، والفتنة الكبرى، وصفين، والنهروان، وكربلاء، وهكذا دواليك، إلى غاية فتن اليوم؟
مهما كان من الأمر، ففي زمن السيوف، كانت كلفة الفتن أخف ضررًا من اليوم، إذ بعد كل بضع ساعات من الاشتباك كان المتقاتلون يضطرون إلى فك الاشتباك والتوقف بسبب العياء والإرهاق، كان الإيقاع البيولوجي للأجساد يفرض فترات طويلة أو متقطعة من الهدنة، الآن في عصر القنابل والمدافع والمتفجرات والدبابات والقاذفات من بعيد، والتي سمحت للجبناء بالانخراط في الحروب، أصبحت الفتنة تعني الاشتباك 24 / 24 ساعة، 7 / 7 أيام، 12 / 12 شهر، إلى أن يهلك الحرث والنسل والأوطان والعمران. في زمن السيوف كانت كلفة تعطيل العقل أقل ضررًا مما هي عليه اليوم. اليوم بإمكان أي مهندس له ذهنية إجرامية وجبانة أن يصنع متفجرًا يقتل به مئات الناس دفعة واحدة.
لذلك كله أمامنا خياران : إما أن نغير أحوالنا بالتي هي أحسن أو أننا سنفنى بغباء، والكلفة قد يتحملها من لم يولدوا بعد. إن الرؤية الدراماتيكية للتاريخ، والتي ورثها العقل السياسي الحديث عن هيجل، قد أصبحت لعبة خطرة في زمن أسلحة الدمار الشامل.
صحيح أننا نحتاج إلى مقاومة الاستبداد في كل الظروف، غير أن تحديد المفاهيم بنحو سليم يساهم في بناء ممارسة سياسية سليمة. انطلاقا من ذلك أود التذكير بأن الاستبداد ليس مؤامرة تحبكها السلطة من الفوق وفق تصور الكثيرين، وربما الأكثرين، بل ثمرة منظومة ثقافية تسري في كل العلاقات اليومية، بدءا من العلاقات الأسرية، ومرورًا بالعلاقات بين الجنسين والطوائف والعشائر والأقليات، ووصولا إلى العلاقات السياسية داخل مختلف الأحزاب ومؤسسات الدولة. لا يوجد ريع اقتصادي إلّا حيث توجد ثقافة الكسل والاتكال، وبالمثل لا يوجد استبداد سياسي إلا حيث توجد ثقافة التسلط والطغيان. تلك هي المعادلة.
بعيدًا عن الإيديولوجيات الخلاصية إذا، والتي تنسج للإنسان أحلاما خطرة، يجب علينا أن نشتغل في التفاصيل، بل تفاصيل التفاصيل، وأن نعول على الثورات الميكروسكوبية بدون ادعاء لأي نوع من البطولات الدونكيشوتية. مثلًا، يكفي أحيانًا تركيز الجهود على تحديث القوانين خطوة خطوة، وذلك بجهد تنويري صادق، ونفس طويل أيضا. غريزيا نميل إلى أن يأتي الخلاص دفعة واحدة وغدا باكرا كما نردد في بعض شعاراتنا الرنانة، لكن التاريخ لا يكترث بأعمارنا القصيرة.
ينبغي ألّا نيأس من رحمة الحياة التي تعرف طريقها إلى الضوء في أشد الظروف ظلمة وانسدادًا، والتي علينا أن نصغي إلى نبضاتها الخافتة في أغوار الصمت المطبق. لأجل ذلك كله لا ينبغي أن نتحمّس أكثر من اللزوم، وهذا حتى لا نيأس أكثر من اللزوم.



