سعيد ناشيد يكتب : اهتزاز الوعي النقدي أثناء اللحظات الأولى للكارثة

أثناء اللحظات الأولى للكارثة يهتز وعيك النقدي، بل ينهار أحيانا مثلما قد تنهار الأبنية والمنشآت من حولك.
الوعي النقدي هو الضحية الأولى للكوارث الطبيعية، حيث تنبعث في النفوس كل المخاوف البدائية للإنسان. لذلك كانت الكوارث خلال العصر الوسيط فرصة سانحة لتفشي الخرافة وسلطة الكهنوت، لكنها الفرصة التي كان ينتظرها الكثيرون انتظارهم للفرج !
لعلك تفكر في الاعتراض التالي: أثناء الفاجعة قد لا نحتاج إلى الوعي النقدي، بل إلى المشاعر والروحانيات.
ذلك صحيح بمقاييس العقل أيضا.
إنّ الصمت المفعم بالتأمل أو الخشوع لهو الإجراء الأولي الذي يتخذه العقل تلقائيا أمام الفاجعة.
الصمت صلاة العقل.
لكن ماذا بعد؟
الوعي النقدي الذي ينتكس أثناء الرعب، يجعل الناس عرضة لتصديق أي شيء، علما بأن عصر الثورة الإعلامية قد جعل تداول الأخبار منفلتا من عقاله. لقد أصبح دور الرقابة التقليدية محدودًا. هنا لا مجال للأسى، غير أن الأمل الباقي هو تنمية الحس النقدي لدى المواطنين كافة، بما يكفي لكي يصبح المواطن محصنا من سموم الأخبار الزائفة والمضللة، والتي غايتها إغراق المجتمع في الرُّعب الذي يُضعف القدرة على التدبير العقلاني للأزمات.
لحسن الحظ أن الناس اليوم، حتى أثناء الكارثة، أصبحوا أكثر ثقة في الخبراء، وذلك رغم إدراكهم بأن العلم نسبي ولا يجيب إلّا عن القليل من الأسئلة، إنهم رغم عدم إنكارهم لمبدأ القوة الإلهية، يتصرفون في الواقع على أساس مبدأ الأسباب الطبيعية.
إلَّا أنّ قابلية الانتكاس واردة بنحو قد لا يكون متوقعا، ما يبرر الحاجة إلى ترسيخ الوعي النقدي عبر مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ومنتديات الحوارات المواطنة.
على منوال البيوت والبناءات التي ينبغي أن تصمد أمام الزلازل والكوارث، لئلا تنهار، ينبغي ألا تنهار العقول أيضا، لا سيما وأن الكوارث الطبيعية قد تتزايد بفعل التقلبات المناخية.
وهكذا أقول لك:
إذا انهار كل شيء من حولك، ولم تنهر أنت، سيكون بوسعك أن تعيد بناء كل شيء.
قد تفقد أبناءك كلهم، وإنه لألم كبير يستعصي على المواساة، لكن الحياة التي ستأذن لك بالبكاء سترغمك على كفكفة دموعك لكي تعاود الإنجاب إن أمكنك، أو تعود إلى الحياة ما أمكنك.
إنها إرادة الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock