
سعيد ناشيد يكتب : الشرط الأهم لوظائف و مهن اليوم
لم يعد الشرط الأهم لوظائف ومهن اليوم أن تكون مهاراتك قوية، راسخة، متينة، بل مرنة، وبما يكفي لكي لا تعيق قدرتك على التكيّف مع المتغيرات الوظيفية والإنتاجية المتسارعة في عالم اليوم.
والحاصل أن قوة المهارة ورسوخها لدى البعض قد صيرها عائقا أمام المرونة اللازمة للتكيف، حين تطلب الأمر تعديل المهارة جزئيا أو كليا، وبذلك النحو كان نجاحهم عاملا في تأخرهم عن الركب بعد أن مرّ الزمن سريعا وتبدلت الأحوال. كانوا ضحايا لنجاحهم إذا !
في عالم يبدو فيه الزمن كأنه رفع من سرعته، فإن أولى المهارات المطلوبة هي القدرة على تعديل الموقف جزئيا أو كليا، كلما لزم الأمر.
المطلب نفسه في مجال التفكير، حيث العبرة ليست في أن يكون عقلك قويا، راسخا، صلبا، محصنا، بل مرنا، رخوا، لينا، ناعما، وبما يكفي لكي يتكيف وسط عالم موسوم بسرعة النمو المعرفي.
أنت تحتاج إذن إلى تغيير طريقة تفكيرك وأسلوب عملك باستمرار لأجل استيعاب متغيرات عالم يتغير بسرعة فائقة، ما يعني الحاجة إلى المرونة العقلية والوجدانية قصد مسايرة سرعة تطور الحياة المعاصرة، وذلك بمعزل عن كل أشكال التبلد العقلي والغباء العاطفي، والتي تلقي بالكثيرين في جحيم الحنين إلى ما كان، أو الخوف مما سيكون.
إلا أن معظم مناهج التعليم لا تكترث بنعومة الفكر التي هي أساس الحياة الناعمة، والتي هي أكثر شيء يحتاجه المرء للعيش الآمن في عالم غير ساكن، بل المعضلة أن معظم مناهج تعليمنا تشجع على التمسك الغريزي بالفكرة المتوقعة باعتبارها خيارا نهائيا. هنا تكمن إحدى الثغرات التي تجعل معظم النظم التعليمية معرضة لأن تتجاوزها الحياة.
والحاصل اليوم أن معظم العقول المبدعة والخلاقة تنمو على هامش المؤسسات التربوية والتعليمية والأكاديمية، بنحو يزعج كل الحسابات. وهو الوضع الذي سيتفاقم في زمن الانتقال الرقمي.
استيعاب فكرة جديدة ليس بالأمر الهين، ولا بالأمر المستهان به، طالما معناه بلغة المعلوميات إعادة النظر في نظام البرمجة برمته، مثل هذا الجهد لا يميل إليه العقل من تلقاء نفسه، بل العقل ميال بطبعه إلى التمسك بنظام الأشياء الذي يعتاد عليه، ويفعل الأمر نفسه مع نظام الأفكار الذي يعتاد عليه.
يحتاج الناس إلى مدارس ومعاهد وجامعات تنمي قدرتهم على التفكير الناعم، وبحيث تنمي لديهم قدرتهم على تعديل طرائق تفكيرهم وطرائق عملهم كلما طرأت متغيرات جديدة في الحياة.
في انتظار ذلك، ولكي لا ينتظرون، فإنهم يحتاجون إلى مهارة التعلم الذاتي.
لذلك، هكذا أقول لك:
في كل مرة تحتاج فيها إلى استيعاب معطيات جديدة، ستجد نفسك مضطرا إلى تغيير طريقة تفكيرك أو طريقة عملك، سواء بنحو جزئي أم كلي. كن مستعدّا لذلك بالعقل والوجدان !
من أجل ماذا في النهاية؟
من أجل أن ينمو عقلك كل يوم، ومن ثمّ يغمرك فرح كبير كلما شعرتَ بأنّ عقلك ينمو.
وفي النهاية لن يشيخ عقلك قبل نهاية الحياة، مهما طال العمر، عكس ما يحدث للكثيرين.
هنا يكمن سر الفرح العظيم.
فهل تسمعني؟



