
سعيد ناشيد يكتب : بناء الحضارة و الوجدان على أساس الأخوة و السلام
على منوال بعض أقطاب التصوف الفلسفي في الإسلام، يراهن معظم فلاسفة اليوم على مفهوم الحب لأجل إعادة بناء الحضارة والوجدان على أساس الأخوة والسلام، وفي بعض الأحيان يبدو كأن الهدف الفلسفي الأكثر راهنية هو أن يتسيد مفهوم الحب مفاهيم الحرية والعقل والمساواة التي سادت إبان عصر الأنوار، لكن رأيي على وجه الدقة هو أن مفهوم الحب من شأنه أن يحرر تلك المفاهيم من رهان العنف الذي تورطت فيه خلال بعض التجارب التاريخية، ويمنحها بالتالي أساسا راسخا في الوجدان.
فقد سبق لمفهوم العقل أن تورط في تجارب العنف مع مقصلة روبسبيير، وتورط مفهوم المساواة في تجارب العنف مع غولاغ ستالين، وتوّرط مفهوم الحرية في تجارب العنف مع غوانتانامو الولايات المتحدة، بيد أن مفهوم الحب لم يسبق له أن تورط في تجارب العنف في أي لحظة تاريخية.
العيش بالقوة وفي أجواء القوة منهك لكل من يعيش، مهما بلغت مشاعر القوة لديه، لذلك يحتاج الإنسان إلى لحظات من التخفف من ثقل القوة، لحظات من الضعف الطوعي بين أحضان إنسان آخر، يحتاج الكل إلى الحب.
إن كانت لحظات الإنكسار في الحياة تحتاج إلى الحب فإن تجربة الحب تحتاج بدورها إلى أن تتخللها لحظات من الانكسار، ذلك أن الحب يحتاج فعلا إلى جرعات يومية من الضعف لكي ينتعش، يحتاج إلى أوقات من التّهديد والهشاشة واستشعار الخطر.
الحب الذي يشعر بالقوة الدائمة، والأمان على الدوام، هو حب لا يدوم.
لذلك كله يحتاج الحب إلى أن يتعرض للخطر بين الفينة والأخرى، فيما يشبه صعقات الإنعاش، طالما من طبيعة الرغبة أن تنتفي بعد تحققها، فلا تنتعش إلا تحت التهديد.
الحياة كما فهمها شوبنهاور، مثل رقاص ساعة يتأرجح بين الملل والألم، نرغب في شيء ما، نتألم لغيابه، ثم لا يمضي وقت طويل على الحصول عليه حتى نمل منه، فنحتاج إلى رغبة أخرى، وهكذا دواليك.
هل يمكننا أن نعول على تغيير موضوع الرغبة كل يوم؟!
لعل ذلك هو رهان الإقتصاد الرأسمالي، لكنه الرهان الذي قد يحرم الإنسان من القدرة على الحياة، ومن شجاعة العيش أيضا.
شيء آخر، في مجال العلاقات العاطفية قد يفضي بنا تغيير موضوع الرغبة بنحو يومي أو دائم إلى عواقب غير محمودة.
لقد قررت بعض المجتمعات أن تحل مشكلة الرجل جزئيا عبر إباحة التعدد وملك اليمين، لكن ماذا عن المرأة؟ ثم ماذا عن طبيعة الرغبة نفسها والتي إن لم يتم ترويضها ستبقى تدور بنا في دوامة لا تتوقف، من ملل إلى ملل، مثل حياة العاطلين الأثرياء؟!
قدر الرغبة المتحققة أن تنتهي إلى الملل الذي يقتل الرغبة ويبدد العشق، غير أن تعريض تجربة الحب لجرعات من الخطر قد ينعشها مجددا وعند الضرورة، على أن تكون الجرعة مناسبة للموقف، وتقدير ذلك الأمر فن ومهارة.
قد تبدو لك اللعبة غير آمنة يا صديقي، لكن لا تنس هذا:
لا يوجد حب آمن.



