سعيد ناشيد يكتب : الحب كمدخل إلى الفلسفة

قبل يومين طلبت مني ابنتاي مصاحبتها إلى المعرض الدولي للكتاب بالرباط، ومن ثم أبدتا الرغبة في زيارة رواق دار التنوير اللبنانية. لعل الأمر مبرر طالما هي الدار التي احتضنت مشروعي تدقيقا وتصويبا وتدعيما، وذلك في كل مراحل الشدة والرخاء، وفي كل لحظات اليُسر والعسر. فكرتُ في أن أهدي إليهما في المقابل شيئا من تلك الدار التي ستبقى دار بقائي بعد مماتي، كما آمل أن تمنحني الحياة فرصة التفرغ للصياغة النهائية لنصوصي لعلي أتركها على أفضل وجه ممكن بعد غيابي.. فكرتُ في أن أهدي ابنتاي شيئا يمكن أن يمثل مدخلا مغريا إلى الفلسفة، فوقع نظري على كتاب “كيف تجد الحب؟”، لآلان دو بوتون.
تحظى كتابات ألان دو بوتون بشعبية كبيرة في بريطانيا أو مختلف البلدان الأوروبية، والرجل يقوم بجهد جهيد في “دمقرطة الفلسفة”، وحسنا فعلت دار التنوير حين اهتمت بترجمة أعماله، لكني ما أن بدأتُ في تصفح معظم الصفحات حتى شعرتُ بأن الكتاب أقل من المتوقع، فأخبرتُ ابنتاي بخيبة أملي، ووعدتهما بأن أنجز المهمة بنفسي. وهكذا أقول ابتداء، بصرف النظر عن نتيجة الرهان فقد كان علي أن أوفي بالوعد.
بقدر ما يكون الحب تجربة مبهجة يكون أيضا تجربة موجعة بل مفجعة أحيانا وهنا المعضلة، بقدر ما يكون الحب تجربة ممتعة يكون أيضا تجربة مؤلمة بل مميتة أحيانا وهنا المعضلة، بقدر ما ينسج الحب كل الأحلام الوردية الممكنة فقد يثير في المقابل كثيرا من الأوهام والكوابيس المروعة وهنا تكمن المعضلة.. فقد يحدث أن يقع سهم الإيروس في يد الثاناثوس ومن ثم تتلاشى كل القصص الرومانسية بنحو مهين. هنا المعضلة التي ينبغي على الفلسفة أن تساهم في معالجتها لأجل حياة أفضل، أو تحديدا فهذا ما أقصده، لأجل قدرة أفضل على الحياة.
هل مرارة العذاب ملازمة لعذوبة الحب كما يؤكد الشعراء الرومانسيون، والمتصوفة الرومانسيون، ويتبعهم في ذلك معظم الناس، ثم، وللسبب نفسه يهرب الكثيرون من قصص الحب مفضلين عنها المتع العابرة أو الزهد القاهر؟
ثمة معادلة أساسية في الفلسفة ينبغي أن نستحضرها ونبني عليها، وهي أن الفهم يقلص من الألم. لأجل ذلك فإن المطلوب في كل الأحوال، بل المطلوب حتى في التجارب العاطفية، أن يكون الإنسان قادرًا على فهم كل ما يحدث له في كل تجاربه، وذلك قبل وأثناء وبعد التجربة.
غايتي ما يأتي:
حين تقع ابنتاي في الحب، وآمل ألا يحدث ذلك قبل أن أكمل هذه الحلقات ويقرآنها، آمل أيضا أن يكون الألم في الدرجة الصفر أو قريبا منها، وذلك بصرف النظر عن متاهات الحال والمآل.
تلك هي المناسبة الأولى لهذه الرحلة الفجائية، غير أن هناك مناسبة أخرى سأكشف عنها في آخر الرحلة. وهو وعد ثان وموعد آخر.
إلى الحلقة القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock