سعيد ناشيد يكتب : إصلاح الأرواح

تسعى في مؤلفاتك الأخيرة لبلورة فلسفة روحية خاصّة يمكن أن تجمع المؤمن وغير المؤمن، المتدّين وغير المتدّين طالما أنهما يواجهان الوضع الوجودي الدرامي ذاته للحياة، فهل تعتقد أن هذا الأفق يمكن أن يكون موحّدا وجامعا ومغذي لقيم الاختلاف والحوار أم سيتعرّض كغيره من الدعوات القديمة إلى تهم التشكيك في نواياه واحتمال ان يحطّم الدّين ويصنع الفتن ويضاعف من أزمة الناس الروحية بدل أن يكون شفاء لها وحلا؟ (موقع الأوان).

حضارتنا لم تعد مهزومة وحسب كما وصفها ياسين الحافظ، بل صارت مريضة. لقد أكد نيتشه نفسه وجود ما يسمى بأمراض الحضارة، أمراض تقود إلى تفشي غرائز الكسل والفشل والتواكل والخمول. ومثلما هو حال سائر الأمراض الأخرى فإن أمراض الحضارة تحتاج بدورها إلى أطباء أكفاء. من هم أطباء الحضارة؟ إنهم الفلاسفة تحديدا. ذلك هو رأي نيتشه الذي مارس بنفسه دور طبيب الحضارة أثناء محاولته تشخيص أمراض الحضارة المعاصرة. هنا بالذات يكمن الخيط الرابط بين الفلسفة والإصلاح الروحي. على أن سبينوزا هو أول من أكد ذلك.

ما الذي يمكن أن يفعله طب الحضارة عندنا؟

بعد التنكيل بابن رشد حيا ثم ميتا، وإحراق مخطوطاته، وإقصائه من التراث نهائيا، ما الذي حدث؟ سقطت الأندلس، ثم أخذت الحضارة الإسلامية في التهاوي والانحدار. هذا كله معروف، غير أننا يجب أن نعرف أيضا بأن عقارب الساعة لا تعود إلى الخلف. بهذا المعنى لا يكمن الحل في العودة إلى اللحظة الرشدية كما يظن البعض؛ فلقد جرت مياه كثيرة في مجرى الزمن، ورغم تخلف المسلمين اليوم عن ركب الحضارة إلا أنهم لا يعيشون في مستوى اللحظة الرشدية. لعلنا متخلفون عن مستوى الحضارة المعاصرة، بيد أننا لسنا متخلفين عن مستوى حضارتنا القديمة. فعلا، يبقى التراث الفلسفي مهما في كل لحظاته، اللحظة اليونانية، والرومانية، والإسلامية، والمسيحية، والحديثة، والمعاصرة، إلخ، غير أنه لا يحضر كما كان، وهذا من حسن الحظ، بل يحضر وفق متطلبات الوعي الراهن، وبما يناسب العلم الحديث والأخلاق المعاصرة. لا تنمو الشجرة في مستوى الفروع فقط، بل تنمو أيضا في مستوى الجذور، كذلك هو تاريخ الفلسفة باعتباره تاريخ نمو العقل الإنساني في مستوى الفروع والجذور معا. إن كانت جمهورية أفلاطون تمثل إحدى الجذور الأساسية للفلسفة السياسية فإننا لا نستطيع أن نقرأها كما قرأها القدماء في عالم الآلهة والعبيد والصناعات البدائية، فتلك الجذور قد نمت بدورها وتطورت بنحو كبير، وهي لم تعد كما كانت بأي حال من الأحوال.

مطلوب –وهذا ما أحاول المساهمة فيه- إعادة صياغة تاريخ الفلسفة بنحو يفيد في علاج حضارتنا المريضة والمصابة بداء الفصام. وهو المرض الذي يطال الكينونة والغرائز والروح، ويظهر باديا للعيان في كل المستويات الثقافية والسياسية والسلوكية، اللهم من ينكرون ذلك على سبيل “ستر العورات”، وهم كثيرون للأسف الشديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock