
سعيد ناشيد يكتب : أقنعة الشبح …
نحن إلى الآن لم نصل إلى طريقة واضحة في التعامل مع ظاهرة الإسلام السياسي؛ فمن جهة أولى، ننظر إلى الأيديولوجيات الأخرى في منطقتنا، فنكتشف أنها كانت أديانًا مقدسة هي الأخرى، وننظر إلى الغرب فنجد أن هناك أحزابًا عديدة تستند إلى المسيحية أو تجمع بين المسيحية والديمقراطية في أسمائها، وأحيانًا في أهدافها. ومن ثانية، ننظر إلى منطقتنا فنكتشف أنها ممزقة نتيجة الصراع المستمر بين العسكر والإسلام السياسي، ونجد أيضًا أن التيارات العنفية في معظمها قد نمت وترعرعت في أحضان الإسلام السياسي، مثلما نكتشف ببساطة وجود محاولات حثيثة للإسلام السياسي لأسلمة الحداثة تارة وإبعاد مجتمعاتنا عن العصر تارة أخرى. هل يمكن بناء رؤية خاصة بمنطقتنا حول دور ووظيفة الدين في المجتمع أو الدولة؟
ساد هناك في السنوات الماضية رهان من طرف جزء من اليسار العالمي، وجزء كبير من الإدارة الأمريكية، على أن الممارسة السياسية (البراكسيس) قد تفضي بالإسلام السياسي إلى نوع من السلوك المدني العقلاني، أو على أقصى تقدير يمكن للتورط في السلطة أن يؤدي إلى مثل ذلك المآل. ظهر ذلك الرهان بادئ الأمر كأنه معقول طالما دور الممارسة أن تنمي الأفكار. لكن الذي حدث هو العكس بالتمام، إذ أن سنوات طويلة من الممارسة السياسية لم يشهد فيها السقف الاجتهادي للإسلام السياسي إلّا مزيدا من الانحدار، وهو ما سبق أن حذر منه بعض أقطابهم المنسيين.
لقد مر الإسلام السياسي في مجتمعاتنا بكل التجارب الممكنة: السلطة، الثورة، المعارضة، السرية، العلنية، السجون، البلاط، الإرهاب، إلخ، غير أن السقف المرجعي الفقهي ظل هو هو بدون أدنى تطور، بل ازداد انحدارًا، وبحيث صار الجدع المشترك لتيارات الإسلام السياسية كافة هو السيد قطب وابن تيمية. فهل يمكننا بناء فقه جديد، ورؤية دينية معاصرة، انطلاقا من تينك المرجعيتين؟ هل يمكن للإسلام السياسي أن يتطور بعد أن أدار ظهره لكل التراث الكلامي، والفلسفي، والصوفي، والفني، واقتصر على فتاوى فقهاء التكفير، وأحيانا بعض الكتب الصفراء؟!
تقوم الإيديولوجيات الشمولية في مجملها على أساس أن الحق بيِّن والباطل بيِّن، وأن صراع الحق والباطل قائم في كل مجالات الدنيا والدين إلى يوم الدين، وعلى أساسه يجب أن يصطف الناس، وأن التضحية من أجل الحق واجب شرعي على الجميع، وأن الحل لكل مشاكل الناس يمكن اختزاله في كلمة واحدة، أو عبارة واحدة، تكون بمثابة مفتاح سحري لتجييش الجموع، وتهييج الجمهور. على أن الإيديولوجية الشمولية قد تستند إلى فكرة الوطن، مثل شمولية فرانكو، قد تستند إلى مبدأ التقدم التاريخي مثل شمولية ستالين، قد تستند إلى مبدأ التفوق العرقي مثل شمولية هتلر، وقد تستند إلى فكرة استعادة أمجاد الماضي مثل شمولية موسولوني.
يمثل الإسلام السياسي بكل أطيافه (من الإخوان إلى داعش) نمطا من الشمولية القائمة على فكرة الدين: الدين هو الحل، الدين في خطر، الدين هو الحق، الدين هو الوطن والعرق والتاريخ والأمة والعصر الذهبي والخلاص.
المشكلة، عطفا على سؤالك، أنه لم يثبت في تجارب التاريخ أن كانت هناك إيديولوجية شمولية أمكن إصلاحها من الداخل بأي حال من الأحوال.
كل الإيديولوجيات الشمولية تنتهي إلى الانهيار: الستالينية، النازية، الفاشية. الشيء نفسه سيحدث لليمين المتطرف في حال مواصلة صعوده.
انخفاض السقف الاجتهادي داخل الإسلام السياسي يجعلنا نفترض أن الحل الباقي أمامه هو أن ينهار، ويُبنى عليه شيء جديد، قد يلبي حاجة الإنسان إلى أن ينمو ويبدع. لكن علينا الانتباه إلى أن الانهيار قبل أن يكون انتخابيا أو سياسيا يجب أن يكون ثقافيا. إن الجهد الأساسي في التخلص من النازية الألمانية لم يقتصر على نتائج الحرب، بل اعتمد أساسا على المراجعات النقدية في مختلف مجالات إنتاج المعرفة، والفنون، فضلا عن العمل الدؤوب على تنمية الذكاء العمومي، يوما بعد يوم، وعاما بعد عام.
في غياب ذلك الجهد فإن الشبح قادر على العودة بأقنعة غير متوقعة، قد تربك كل الحسابات في النهاية، طالما الداء كامن في الوجدان.



