بنحمزة يكتب : المواجهة بين البرلمان الأوروبي و المغربي..فتش عن السياسة والمصالح

مرة أخرى تكشف أوروبا عن وجهها الانتهازي ووفائها للغة الابتزاز، واعتقادها المستمر أنها يمكن أن تنتج مواقف تتسم بكثير من الخفة والتذاكي من خلال توزيع الأدوار بين مؤسساتها، والأهم من كل ذلك هو أن الأوروبيين ما زال كثير منهم ضحايا عقدة التفوق. فبلغة التعالي نفسها التي تفتقد اليوم مبررات قوية تسندها، اتخذ البرلمان الأوروبي قراره غير الملزم يوم 19 من الشهر الجاري بخصوص وضعية حقوق الإنسان في المغرب، بلغة تذكّرنا بعقود سابقة.

القرار الأوروبي تقدمت بمشروعه مجموعة من النواب من دول أوروبا الشرقية؛ لأن الأوروبيين الغربيين لا تسعفهم الشجاعة السياسية لدخول مواجهة مباشرة مرة أخرى مع المغرب، ذلك أن بلدانهم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمصالح عميقة مع الرباط، هذا الأمر يظهر أن الاتحاد الأوروبي ينوع في أشكال ابتزاز المغرب، مرة عبر محكمة العدل الأوروبية ومرة عبر مواقف ملتبسة من قضية الصحراء المغربية والدور اليوم كان على البرلمان الأوروبي، بخاصة أن قراراته ليست ملزمة وربما ذلك ما يعطيه مساحة واسعة لتفريغ فائض عقدة التفوق الأوروبية، مع احتفاظ المفوضية الأوروبية بلغة واقعية تراعي المصالح المباشرة لدول الاتحاد مع ما تعتبره أول شريك من خارج الاتحاد الأوروبي.

القضايا التي شكلت موضوع قرار البرلمان الأوروبي تتعلق بالخصوص بحرية التعبير ووضعية عدد من الصحافيين ومعتقلي حراك الريف، وهي قضايا مضت عليها فترة طويلة من الزمن، وكانت موضوع سجال وطني بين دفوعات المدافعين عن الصحافيين ومن يعتبرون ضحايا بخصوص القضايا التي شهدت المحاكم المغربية فصولاً منها، وبعضها ما زالت القضايا المتعلقة بها لم تنته. أما في ما يتعلق بحراك الريف فقد عرف مرافعات في المحاكم وعلى أعمدة الصحف ومسيرات شعبية حاشدة وسط العاصمة المغربية، وقد مضى على مجموع تلك الحوادث أكثر من ست سنوات، كان فيها البرلمان الأوروبي في سبات، بل إنه لم يبد أي مواقف تجاه المغرب في قضايا حقوق الإنسان منذ قرابة خمس وعشرين سنة، لذلك فإنه يفتقد اليوم الصدقية الكافية لكي يقدم للمغرب الرسمي دروساً أو نصائح أو يبدي تضامناً مع المعتقلين، لذلك فإن التعاطي مع قراره اليوم يجب أن يكون سياسياً، لأن أعضاء البرلمان الأوروبي وهم يناقشون وضعية حقوق الإنسان في المغرب إنما كانوا ينطلقون من خلفيات سياسية تتعلق بصفة خاصة بالإزعاج الأوروبي العام والفرنسي على الخصوص، من هامش الاستقلالية الذي وسّعه المغرب في السنوات الأخيرة، عبر تدبيره للعلاقات الثنائية بصورة كبيرة من الندية، ونتذكر هنا الأزمة المغربية الألمانية ونظيرتها المغربية الإسبانية، بالإضافة لما تشهده اليوم العلاقات المغربية الفرنسية من أزمة صامتة لم تبددها زيارة وزيرة الخارجية الفرنسية نهاية السنة الماضية، زد على ذلك أن الملك محمد السادس كان واضحاً عندما خاطب الأوروبيين، وبصفة خاصة ممن لهم صفة صديق تاريخي للمغرب، بقوله إن الصحراء المغربية هي المنظار الذي يقيس به المغرب عمق الصداقات، وهو المعيار الذي في ضوئه ستتحدد العلاقات والمصالح في المستقبل، لذلك ليس عبثاً أن تكون السهام موجهة إلى المغرب في الأشهر الأخيرة، بخاصة مع استمرار تعثر زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للرباط بعد زيارته الاستعراضية للجزائر، ذلك أن المغرب كان واضحاً أن منطق التوازنات التقليدية في علاقة فرنسا بدول المنطقة، لا يمكن أن يستمر بمنطق رمادي تخرج فيه باريس فائزة في كل الحالات، فإذا كانت النخبة الحاكمة في الجزائر ما زالت تعيش عقدة النقص تجاه فرنسا وتكتفي بالمظاهر والبروباغندا والفرح باستعادة جماجم مجهولة الهوية، فإن الأمر على عكس ذلك عندما يتعلق الأمر بالمغرب.

الأوروبيون، وبخاصة الفرنسيين، منزعجون من فترة طويلة بخصوص الاختيارات التي أعلنها المغرب سيادياً في إطار تنويع علاقاته الخارجية، نتذكر جميعاً الزيارة الملكية لكل من موسكو وبكين ونيوديلهي، كما نتذكر جميعاً الزيارات الدائمة والمستمرة للدول الأفريقية، إضافة إلى تطور العلاقات المغربية الأميركية، خاصة بعد استئناف المغرب علاقاته مع تل أبيب، من دون أن ننسى الحضور الاقتصادي المغربي على مستوى القارة الأفريقية، إذ تعد الرباط أول مستثمر في القارة من داخل أفريقيا، ويتجلى ذلك تجلياً كبيراً بحضور المغرب في قطاعات بالغة الأهمية مثل قطاعات المصارف والتأمينات والاتصالات، زد على ذلك الحضور المتزايد للمكتب الشريف للفوسفات من خلال ما يقوم به في أفريقيا المهددة تهديداً أكبر بأزمة غذاء حادة نتيجة للحرب الروسية على أوكرانيا، وأساساً التغيرات المناخية مع ارتفاع النمو الديموغرافي والطلب على الغذاء، إذ تسيطر الشركة المغربية على أزيد من نصف سوق الأسمدة في القارة السمراء، بل إن الفوسفات أضحى أداة سياسية ودبلوماسية بيد المغرب لتكريس التعاون جنوب – جنوب، يظهر ذلك جلياً في عدد من المشاريع الكبرى على مستوى القارة الأفريقية، يضاف إلى ذلك الدور القيادي للمغرب في مشاريع الطاقة، بخاصة في غرب أفريقيا من خلال أنبوب الغاز نيجيريا – المغرب الذي وإن كانت مبرراته ودوافعه في السابق ترتبط بالطلب الأوروبي، فإنه عملياً اليوم يمثل جواباً أفريقياً لحاجات أفريقيا، وبخاصة بلدان غرب القارة، ما سيشكل دعماً قوية لبلدانها، وإن تعلق الأمر بطاقة أحفورية، على هذا المستوى أيضاً تبرز أهمية الخطوات الاستباقية التي قام بها المغرب على مستوى الطاقات المتجددة، ما يجعله رائداً دولياً في أهم تلك الطاقات، وبخاصة الهيدروجين الأخضر، حيث يتوفر المغرب على قدرات كبيرة ستجعله لاعباً رئيسياً في مستقبل الطاقة على المستوى العالمي ما بعد الطاقة الأحفورية، وهو ما يضعف هامش المناورة لدى الأوروبيين الذين يتجهون إلى التوقف النهائي عن استخدام الطاقة الأحفورية بداية من 2030.

هذه العوامل وغيرها هي ما يجب استحضاره اليوم عند مناقشة توصية البرلمان الأوروبي، أما قضايا حقوق الإنسان فإنها مجرد شماعة يعلق عليها الأوروبيون مطالبهم ومصالحهم التي لا تنجح مساحيق المبادئ والقيم في إخفائها. طبعا ذلك لا يبرر ولا يعني أن المغرب ليس بحاجة إلى مزيد من تطوير حقوق الإنسان، بخاصة أن هذا النوع من المعارك في مواجهة بعض الأوروبيين سيستمر في المستقبل، وهو بحاجة إلى جبهة وطنية موحدة قائمة على تثمين كل المكتسبات التي تحققت، وتصفية ما يمكن تصفيته بكل الشجاعة المطلوبة، لكن بعيدا من أستاذية البرلمان الأوروبي الذي يغرق جزء من أعضائه في بركة الفساد…

بواسطة
عادل بنحمزة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock