الدين و خطاب المكاشفة

تشير المعطيات الواقعية إلى أن الفتوحات العلمية لا تقصي الفلسفة من المشهد ومن الخطأ أن يفهم المكسب العلمي بوصفه إيذانا بنهاية المبحث الفلسفي كذلك فإن العودة إلى رحاب الفلسفة والثقة بالعلم لا تلغيان حقيقة الدين. وبالتالي فإن الحديث عن أزمة الخطاب الديني لا يعني بأن ثمة بديلاً آخر للدين وهو يلوح في الأفق. فالعديد من التجارب قد أماطت اللثام عن فشل المشاريع الهادفة لتهميش البعد الروحي الذي يمثله الدين بقوة. صحيح قد سادت التوقعات بأن الدين لم يعد في رصيده ما يمكن التعويل عليه لأن العقل قد شب عن قصوره وبالتالي أصبح حرا في الابحار داخل مجرات المعرفة دون التقيد بموجهات اليقين. إذ تقوم ديناميته على ثنائية الخطأ والتصحيح. لكن يبدو أن الدين لا يغادر الأفق الانطولوجي للإنسان لذلك فإن النزوع إلى إقصائه يرتد بعودته بأشكال غير متوقعة.

يقول الفيلسوف السويسري آلان دوبوتون بأن أي محاولة لاستبدال المعتقدات الدينية بشيء آخر لابد ألا تتجاهل حجم العون الذي يستمده الدين من الشعائر والتقاليد والفنون والرغبة في الانتماء. ومؤدى ما يقوله دوبوتون هو أن من السخافة الإعلان عن النهاية للأديان لأن الهموم الميتافيزيقية ترخي بظلالها على المساعي البشرية ومايفتأ الانسان يصارع قلق النهاية والمصير. إذن كما صرح كارل يونغ في رسالة كتبها لفرويد بأن ليس بالمستطاع استبدال الدين إلا بالدين. صحيح أن الفلسفة في جوهرها تخالف الانسداد العقائدي غير أن التنقيب في تاريخ هذا المبحث المعرفي يكشف عن ركام من المنحوتات المطبوعة بطابع العقيدة والمتأمل في تجربة التيارات الفلسفية التي كان يعقد على لوائها آمال عريضة بالانعتاق من ربقة سلسلة الإكراهات المضنية يلاحظ بأنها ما لبثت أن أخذت منحى طوباوياً دينياً. واكتفت بالترقب لتحقيق نبوءة النصوص وغابت لديها المبادرة.

التأصل الإيماني

لا يمكن الفصل بين المؤمن والمفكر في الإنسان حسب رأي جزيف بوخينسكي. وبدوره يرى وايتهيد بأن أرسطو هو الوحيد من بين أقرانه الفلاسفة الذي تمكن من التفكير مستقلا من إكراهات العقيدة. عليه أن هذه الآراء الناتجة من رصد مواقف المفكرين والفلاسفة لاتسقط حق الباحث من مناقشة ما ينسب إلى الدين والعقائد. وهذا ما يقوم به المفكر المغربي سعيد ناشيد في كتابه المعنون ب”السلام عليكم” والواضح من العتبة الأولى أن ناشيد يتحرك في جغرافية الدين الإسلامي كاشفاً عن المبدأ الرئيس  والمشترك بين الأديان وهو السلام والطمأنينة لكن ما تراه العين في الواقع يضع العقل المفكر أمام تحديات صعبة ومرد ذلك هو النكوص على المستوى الحضاري والتعويض عن ذلك بالتفوق الكلامي . يؤكد سعيد ناشيد على ضرورة الالتفات إلى لحظة الوحي ولحظة تكملة الرسالة ويستدعي الفهم الصحيح الإقرار بأن مايقع بين لحظتين وما أضيف إليه ليس إلا شروحات وتفاسير وفتاوى يعبرعنها الخطاب الديني وعلى هذا النحو يفصل مؤلف “التداوى بالفلسفة” بين الدين وما تبعه من تشكيل الخطاب الذي تنعكس في مكوناته مؤثرات سياقات البيئة والعصر هذا إضافة إلى ما يمكن تسميته بالانحياز النفسي في فهم مقاصد الرسالة الدينية. لذا فمن الخطأ أن يحمل الدين كله على محمل رأي مجتهدٍ أو مذهب. وإذا انتهى الفهم بالدينِ إلى هذا المطاف وفاق الشرح المتن قيمة وأهمية فمن الطبيعي أن يتقاعس الفكر وتقتصر وظيفة العقل على الانتصار للتقليد والأخذ بما يكرس الجمود والانغلاق. عليه فإن الخطاب الديني حسب رأي ناشيد نوع من الخلايا الميتة أو القشرة التي تحيط بالجلد وتضيق عليه التنفس ويتساءل في هذا الإطار مرِسلا كلامه إلى معشر المسلمين. هل أنتم مستعدون لإجراء عملية التقشير أم ليس بعد؟

  • الجوهر

إذن فإن العودة إلى جوهر الدين دونها مشروع نقد الخطاب الديني.وبالطبع أن تدشين القراءة الفاحصة للنصوص المؤسسة تصطدم بعقلية اختزالية لا ترى في الدين غير المظاهر والشكليات لذلك فمن الضروري معرفة ما يكمن خلف القشور. وداخل الرأس بدلا من الانسياق وراء الألقاب المدبجة والشعارات المنمقة بروحية تعبوية تنذر بفتح مزيدٍ من الجبهات وإحداث الشروخ مع العالم المعاصر إلى أن يستفحل الخوف من الآخر، عليه فإن الأسوأ في هذا الوضع هو التسويق لدور الضحية. والتوهم بأن العالم كله يتآمر على الهوية الدينية بينما الأزمة متجذرة في عقلية الموالين للدين ورؤيتهم الضيقة لغاياته الأعمق وهي الطمأنينة والسلام والتخفف من حملة التشيؤ المادي. تنحوُ معاينة سعيد ناشيد لظواهر الكراهية والتوجس من الغرب منحى نفسياً وهو يرى بأن ما يطفو على السطح من الكراهية العنيفة للمجتمعات الغربية ليس سوى عنف وسواسي ضد انجذاب كامن في الذات نحو نوع من أنواع التغريب.

والحال هذه فإن المشاعر السلبية تنتهي إلى مصب الكراهية التي قد تبقى دفيناً حيناً من الوقت قبل أن تتفجر حارقاً الأخضر واليابس. تستشف مما يرد في الكتاب بأن من العبث استنزاف الطاقة في مستنقع الأهوال السياسية، لأنها كما يقول ناشيد امتداد لبنية اللاوعي الجمعي إذن لا مناص من الحفر داخل تربةِ البنيات الثقافية الفاعلة في صناعة مقولات محددة لنمط التفكير وآلية التواصل مع المختلفِ ديناً وعقيدة ومذهباً. وبالتالي فإن حدود عالمك ليست إلا التخوم التي وصلت إليها لغتك. فان المصطلحات والألفاظ التي تغزو المنابر بمثابة مؤشرات كاشفة لحركة الواقع والعقلية المُتعاطية مع التحديات. ومما لا شك فيه أن وجود تفكير مواكب مع مزاج العصر يتطلب التجديد في الترسانة الثقافية والعمل على تشكيل مناخ أقل مواتية لتفريخ جراثيم سامة. والانسلاخ من الوهم بأن الفسادَ كله يأتي من خارج الكهف الذي تنتطوي فيها الذات مواسية الشعور بالنقص المعرفي بالقول ليس بالإمكان أكثر مما كان. من الآليات الدفاعية السائدة في المجتمعات المتأزمة هي الحنين إلى العصور الغابرة وفي ذلك عزاء للحاضر البائس يقول فرويد في “موسى والتوحيد”:-ان للعصور النائيات على المخيلة سحرا آخاذا غامضا فما أن يدب الإستياء في الناس من الحاضر حتي يلتفتوا إلى الماضي آملين أن يلتقوا فيه من جديد بحلمهم الذي لم يغب عنهم قط بعصر ذهبي .و بدوره يفسر ناشيد هذا التعلق بالماضي بأنه زمن مطواع يمكن التصرف به ويعاد تشكيله في المخيلة طبقاً لمشيئتنا وبقدر مايكون التأزم أشد في الحاضر فإن الانتقائية في النظر إلى الماضي تهيمين أكثر. ومن أعراض المرض الحضاري الذي يتصدى له ناشيد هو الخوف الذي يقع في سلة الأهواء الحزينة التي يتم تأجيجها باستمرار. إذن الخطوة الأولى على طريقِ اكتساب الرشد العقلي هو التعافي من الخوف بأشكاله المتعددة وهذا ما يكون في صميم البرنامج الفلسفي لدى الرواقيين والأبيقوريين. لأن الخوف هو مصدر الضعف والوهن ولايخلف سوى أخلاق العبيد والانفعالات المعقدة. وما يراد له التصحيح حسب رأي سعيد ناشيد هو صيغة سؤال “لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟” كون السؤالِ محمولا بشحنات تذكي الانفعالات السلبية وغرائز الانحطاط من قبل الحسد والغيرة والحقد والضغينة فيما التأسيس لايتحقق إلا من خلال غرائز السمو التي تتمثل في العمل والإبداع والانطلاقات الجسورة.

  • عنصر الحل

صحة ما يذهب إليه الدين ليست وقفاً على الاكتشافات العلمية لأن العلم كما فهمه كارل بوبر يجب أن يكون قابلاً للدحض وإلا يتحول إلى معرفة مزيفة من هنا لا يجوز الخلط في الأوراق لأن البحث عن دوافع للإيمان الديني في وصفات علمية قد يلغي الإيمان. وهذا لا يعني بأن المرء عليه أن يختار واحداً من الإثنين إما الإيمان أو العلم. بل المطلوب هو معرفة التباين بين التجربتين. والاعتراف بأن الجنوح إلى القالب العقائدي مقتل للعلم. ومن المعروف أن ما يقوله العلم ليس كل شيء ولايزال المجهول سيد الموقف بالنسبة إلى ما كان عليه الكون قبل لحظة الانفجار الكبير بكل الأحوال قبل أن يقفل قوس الحديث لابد من العودة إلى مضامين كتاب مؤلف “الوجود والعزاء” فهو يفضل نسقاً سردياً في متابعة واقع الفكر الديني مفوضاً المدعوة بالشيخة العارفة بالله المثيرة للجدل لدى العوام وهي تلقي خطبة عصماء بأن تكاشف الحضور بضرورة النهوض من غفوة ثقلت علي العقل الإدلاء بما يجب أن يدلو به .مستنكرة في سياق كلامها ما وصل إليه الحال من العدمية الموشومة بالدين تحرم الروح من الفرح والنمو بدعوى أن ممارسة الدين تستدعي الاستغراق في الحزن. ولا يعقل بأن من يريد إقناع المسلمين بأمر من الأمور يغلفه بغطاء الدين. نشبت الأزمة في أوصال حياتنا وتم إجهاض مشروع الإصلاح عندما حل الوعد والوعيد مكان ثقافة النقد. السؤال الجوهري في هذه المرحلة هو هل يمكنُ تحويل عناصر الأزمة إلى جزء من الحل؟ ولا ضير من الإحالة إلى حكمة ماركس الذي أكد بأنَّ المعادلة التي لا تتضمن في معطياتها عناصر الحلِ لن تحل. إذن الفوز يكون لمن يبصر عنصر الحل في الأزمة المستحكمة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock